تجسَّد سؤال الحرية الذي يشغلني دائمًا في رواية «رقصة الوداع» للكاتب التشيكي الفرنسي «ميلان كونديرا»، حيث احتفظ «ياكوب»بكبسولة سُمٍّ حصل عليها من أحد أصدقائه الأطباء.. ليشعر أنه يسيطر على موته، ويواجه أكثر أشكال الحرية تعقيدًا: حرية أن تختار نهايتك.
لم يُنهِ ياكوب حياته بتلك الكبسولة، رغم أنها ظلت ترافقه سنوات طويلة في جيبه. كان يكفيه أن يلمسها ليشعر بالطمأنينة، وكأن وجودها وحده يمنحه إحساسًا بالسيطرة، وكان يرى أن من الضروري: «على كل إنسان أن يحصل على السم عند بلوغه سن الرشد»!
أما أنا، فالحرية كقدرة على الاختيار لا تشغلني كثيرًا، بقدر ما أفكر طوال الوقت في جدوى ما أفعل ومعناه؛ كل هذه القرارات التي اتخذتها في حياتي، فقط لأثبت لنفسي أنني حرٌّ كما يليق بإنسان.. أتساءل في كل مرة أتخلص فيها من قيد يُعيق حركتي: هل أنا حرٌّ فعلًا أم أنني مجرد واهم؟
زمان، أيام الثانوية، قررت ألا أدخل الامتحانات بسبب شعوري بأن الاستمرار دون استعداد كافٍ تصرف غير حكيم. قررت هذا القرار مع إيقاف التنفيذ طبعًا؛ ففي هذا الوقت لم يكن لي أن أحسم الأمر وحدي، ومن الواجب أن أعود إلى أبي.
أرسلت إليه، هو المسافر دائمًا، وأنا متردد جدًّا ومرتبك من ردِّ فعله. وبعد كثير من المقدمات أخبرته عن رغبتي في تأجيل السنة. بدت نبرته هادئة عبر الرسائل في البداية، لكني تخيلته وهو يخبط على أزرار الكيبورد بعصبية أثناء كتابته:
«لِم هدومك وامشي من البيت..»
قرأت الجملة أكثر من مرة، ولم أعرف إن كنت منزعجًا أم مرتاحًا في أول الأمر، وكان ردي العفوي وقتها أنني إذا تركتهم ستصبح حياتي أفضل! جُرح أبي حينئذٍ، ولم ينسَ لي هذه الكلمات أبدًا؛ ظن أنني أتمرد وأُعلِن عصياني وانقلابي عليه، وقاطعني لشهور.. لم يفهم أنني شعرت في هذه اللحظة تحديدًا بالحرية لأول مرة في حياتي.
بعد عامين من ذلك الصدام، سافرت إلى أبي لتجديد الإقامة. كنت قد تغيرت كثيرًا، وصرت أقرأ بالكاد. كنا نعيش في غرفة فندقية صغيرة، لا يوجد فيها وسيلة تسلية واحدة أو طريقة للتواصل مع العالم الخارجي: لا تلفزيون، ولا تليفونات، ولا راديو حتى..
كان يذهب إلى العمل مبكرًا، ولا يعود إلا في نهاية اليوم. كدت أجن من الوحدة والفراغ، ولم أكن أملك تلك الكبسولة الكونديرية لحظتها التي تمنح الطمأنينة. حاولت أن أتسلى بالرياضة والاستحمام وتأمل العالم من خلف شُباك الغرفة. مكثنا شهرًا في هذا الوضع، وكان عزائي الوحيد هو عندما يعود قبيل منتصف الليل حيث تبدأ فقرة الحكايات.
كان يحكي لي شذرات من التاريخ الإسلامي، وكنت أجهل منه الكثير، فكنت أطرح الأسئلة بلا توقف:
ما الخلاف بين معاوية وعلي؟ ماذا عن الحجاج بن يوسف؟ مَن مؤسس الدولة العباسية/ الأموية/ الفاطمية؟ مَن سيف الدين قطز؟ ما ديانة صلاح الدين الأيوبي صاحب معركة حطين؟ وعند هذا السؤال الأخير، توقف أبي عن الحكي، كأنه اكتشف هروب ابنه من دروس التاريخ طوال حياته!
عندما عدت إلى مصر، قررت ألا أذهب إليه مجددًا، وأن ما عليَّ فعله في هذه اللحظة هو الانكباب على الكتب والقراءة ثم القراءة وأخيرًا الكتابة. أرسلت له أخبره بقراري دون إبداء أسباب، واكتفى بأن قاطعني لشهور مرة أخرى..
أنهيت خدمتي في الجيش، وعملت في مجال صناعة الكتب، وتزوجت.. وكان لأبي رأيٌ مخالف في كل ذلك. اصطدمنا كثيرًا، وصممت على تلك الاختيارات النابعة من داخلي. لم يشغلني قط إن كانت اختياراتي صحيحة بقدر ما تساءلت: هل تخصّني؟ وهل أستطيع أن أدفع ثمنها؟
ربما أشعر أحيانًا بالندم تجاه بعض القرارات التي اكتشفت مع الوقت أنها لم تكن ناضجة كفاية، لكن أمام هذا الندم الذي يراودني أشعر دائمًا أنني إنسان يحيا تجربته الخاصة، ويتعرف على الحياة بوعي طفل لا يدرك أن النار تحرق، مهما أقسموا له، إلا إذا احترقت أصابعه.
لا أحمل كبسولة في جيبي، لكنني تعلمت أن أعيش كما لو أنني أملك واحدة أستخدمها كلما لزم الأمر.
ربما لهذا السبب أستطيع أن أواصل اختياراتي، مهما كانت خاطئة، وأنا مطمئن أنها في النهاية.. تعبر عني وحدي.