أستيقظ اليوم أو لعله البارحة، لا أجد ما أكتب، أبحث في أرجاء البيت عن فكرة تركتها سهوًا أو عجزًا منذ أيام أو أعوام عاشت في ركن ما دونما حبر، أجد بدل الكلمات خبزًا على طاولة الفطور، على عكس الفكرة الخبز يفسد بعد حين، خبزي لا يزال طريًّا.
لم لا أجد الفكرة؟ ربما بعد الفطور.
تناولت قلمي، عفوًا، قطعة الخبز. القطعة في يدي لكنها تبحث عن فنجان القهوة. القهوة! ربما هي البوصلة لفكرتي.
ها نحن ذا، قطعة الخبز، قهوتها، قلمي وأنا. A Mexican standoff.
أنا أحتسي الرشفة تلو الأخرى مهرولًا نحو فكرتي، لكنه حب من طرف واحد على ما يبدو، لا حياة لمن تنادي. منذ متى وأنا أحب الحياة!؟ لا تبدو مشارق هذا اليوم مبشرة.
أطل من نافذة الغرفة لا علم لي بما أرى، ربما قصر النظر أو لعله الظلام، أحلّ الظلام!؟
في الحقيقة لست أدري متى رأيت النّور آخر مرة، مضحك كيف يفاجئني الظلام كل مرة.
أشيح بنظري عن النافذة إلى داخل ما تبقى من الغرفة، لا شمعة ولا مصباح ولا حتى عود كبريت، مع ذلك أرى كل شيء بوضوح، إلاّ فكرتي.
قهوة خبزي ساخنة ولا نار في البيت.
يعود لي النوم فأعود له.
أرى فيما يرى النائم أني أنظر من نافذتي، لا أجد الظلام، بل شيئًا يشبهه، بالقرب من جذع كبير لشجرة خضراء مزهرة، ظل الشجرة يمتد لنافذتي، يتحرك الظل ولا تتمايل الشجرة.
رفعت رأسي نحو ركن النافذة، شمس ساطعة، صفراء فاقعة، أشعتها خطوط ثابتة حول محيطها، تتحرك من ركن إلى آخر فتحرك ظل الشجرة.
لا علم لي بما يحدث داخل الغرفة، يكاد نور تلك الشمس لا يلبث حتى يلتهمه ظلام الغرفة، تتحرك الشمس اتقاء الظلام لكن إلى أين!؟ ركنان فقط في أعلى اللوحة، أو عفوًا، النافذة.
أستيقظ هذه المرة وقد وجدت الفكرة طريقها نحو رأسي بعد أن خانت القهوة والظلام.
تحمل أصابعي القلم من على الطاولة نحو الورقة في الجانب الآخر من الغرفة، أسرع بثبات خوفًا من ضياع القلم أو الفكرة فضياعي معهما.
أصابعي تبدو كأنامل طفل في العاشرة، لا أكثرت فلطالما بدت أصابعي صغيرة إلى جانب القلم الذي تحمله ويوجهها.
لم أكتب.
رسمت بيتًا مربعًا ذا علية حمراء داخلها مظلم يكاد ظلامه يطغى على نور الورقة من خلال النافذة، شجرة كبيرة خضراء مزهرة ذات ظل مديد وشمس ساطعة صفراء فاقعة.
لم أكتب، لكن أناملي الطفولية أبت إلا أن تتحرك.
عدت للوحة بعد بضع سنين، تجرأت أصابعي عليها، محت ظلام النافذة وأحلت محله شبح شخص يشبهني يحاول النظر عبرها يبحث عن تلك الشمس في الزاوية، هو لا يجدها، لكني أراها تهرب منه في كل مرة، لم تعد ساطعة كما كانت على أي حال.