⁠العاشرة مساءً
١٠٩١ كلمة

Everyday use هي قصة للكاتبة الأمريكية آليس ووكر،

جذبني العنوان إلا أني لم أتوقع أن أجد بها ما هو أعمق ولا أكثر عاطفة من روايتها ”اللون الأرجواني“، لكن ما قرأته كان مذهلًا، قرأت النسخة الإنجليزية من القصة وأغرمت بتفاصيلها ورهافة صدقها على حد سواء، لذا لم أتردد في مشاهدة فيلم قصير مبني على أحداثها حين صادفته على اليوتيوب، لم يكن أقل جمالًا منها.

عندما انتهيت من مشاهدة الفيلم وقراءة القصة للمرة الثانية، بقيت أفكر في التراث الإنساني، فكرت متى بالتحديد نصبح ماضيًا، في أي لحظة بالضبط من حاضر الأمم تتحول ممتلكاتها إلى تراث؟

من المسؤول عن هذه النبرة المفاجئة التي تحدد بشكل غير عادل من يملك الماضي ومن يملك المستقبل؟وتحويل حياة يومية لتجربة إنسانية مضت يجب النظر إليها عبر عدسة مكبرة تقتنص الأصالة.

أعتقد أننا ربما نعيش تلك اللحظة الانتقالية الآن في مصر من الحاضر نحو الماضي، طبقًا لما يحدث والطريقة التي تنقسم بها مصر بالتدريج إلى مصر القديمة، ومصر الحديثة (إيجيبت) بحسب التسمية الجديدة.

لحاف الجدة:

في لحظة مفصلية من قصة ووكر، تدخل دي (وانجروا) — الأخت التي تعيش العصر الأحدث من حياة الأفروأميريكان في ولاية بعيدة عن جورجيا — غرفة نوم أمها، وبطريقة سينمائية تفتح الصندوق بأطراف أصابعها، لأنها أصبحت فجأة تنظر إلى منزل طفولتها على أنه متحف أثري، وكل ما فيه ممنوع اللمس، حتى تنبهر بطريقة مبالغ فيها بما يحتويه الصندوق، لحاف جدتها.

ترى دي الغطاء القماشي على أنه خليط بين قطعة فنية وحكاية تاريخية تشهد على عصر انتهى، بينما تنظر نحوه أمها على أنه شيء تمتلكه، لحظة شكلتها، بل إنه جزء منها، وهنا بالتحديد تجلت نقطة الصراع بين نظرتين متضادتين نحو التراث.

هل التراث شاهد على لحظة ماضية، أم جزء من الحاضر باعتباره ملكًا لشخص بعينه لا يزال موجودًا اليوم، ليس موجودًا فحسب بل يمشي بخطى ثابتة نحو المستقبل.

وهنا تطرح ووكر سؤالًا آخر، هل يمكننا الفصل حقًا إذا كانت دي تقدر قيمة الغطاء أكثر من الأم، لم تجب ووكر على السؤال بشكل محدد بل تركتنا نفكر، إذ صرحت دي بشكل واضح أنها تريد الغطاء لتعليقه في صالة بيتها الجديد، بينما الأخت الأخرى تستخدمه حقًا كغطاء تلتحف به.

فكرتُ مع ووكر في المثالين، فالغطاء في الحالة الأولى يتجرد من روحه، من قصته بتجريده من الدفء، بينما في السردية الثانية نحافظ على قيمة الحكاية بتجديدها، كل يوم يلتف فيه حول جسد أختها الشابة البائسة هو تجسيد للحظة من المفترض أنها مضت.

تقول لوريجين سميث في كتابها (Uses of Heritage) استعمالات التراث إن القدرة على امتلاك الماضي، وإضفاء معنى لشيء بعينه من التراث على شيء آخر، هي طريقة غير عادلة لتشكيل هويات الأمم والمساعدة في نشر شكل محدد من السلطة.

وتستكمل سميث أن الطريقة التي نستعين بها بخبراء في التراث للنظر نحو ممتلكات الغير هي طريقة محددة جدًا، ولا ترى سوى المطلوب منها رؤيته، للتأكيد على سردية بعينها، دون النظر أو الاستماع لأصحاب التراث أنفسهم، وإعطائهم الحق لتحديد ما المهم فعلًا بالنسبة إليهم، في تحديد المعنى قبل تحديد القيمة وتسليع حقيقتهم، وجعلها لوحة فنية جاهزة للشراء.

حيث تعتقد سميث أن مسألة التراث والثقافة هي مسألة معقدة، لا يجب أن يمتلكها طرف عن الآخر، بل يجب أن تكون مفتوحة للجميع لمناقشتها، فمن وجهة نظر سميث التراث الذي نستعين بخبراء الفنون لتحديد قيمته من عدمها هو ما يشكل الحاضر، وأنه يمتد رغمًا عنا في الذاكرة الجمعية، وبناء هوية المجتمع الحاضر، فمن ثم شكل المستقبل.

تجربة العيش البلدي:

منذ فترة أعلن الفنان المصري أمير فايو عن افتتاح معرض جديد من ابتكاره لماركة الملابس الشهيرة maison69، في تجربة فريدة اختار لها وسط البلد ليكتمل المشهد، الفكرة التي استوحاها حسب قوله من فوضى القاهرة، وحتى تكون التجربة أكثر واقعية كان عليه اختيار وسط البلد بضوضائها وعم سيد المكوجي.

لم أفهم المثير في الفكرة بالتحديد، لماذا يتعامل مع وسط البلد على أنها تجربة مثيرة يريد نقلها بحذافيرها لزواره، ومن هم زواره، إن كنا نعيش هذه التجربة فعلًا، بل حتى لا نسميها تجربة بل حياة، إلا إذا كان حاضرنا وواقعنا اليومي ظاهرة ثقافية، أو متحفًا أثريًا.

تكررت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، نجد فيها مجموعة من الشباب من المفترض أنهم من سكان القاهرة أو حسب التسمية الجديدة (إيجيبت) يتحمسون لتجربة واقع مصر القديمة، لا أعرف متى بالتحديد أصبحت قديمة؟

أشياء مثل الفطار على عربية فول، تجربة المواصلات العامة، زيارة قرى خارج حدود القاهرة لإضفاء المزيد من الإثارة والمشاركة في أعمال الزراعة، أحيانًا تناول الفطير المشلتت وغيرها، وتوثيق هذه الرحلات في محتوى مصور تحت مسمى ”تجربة“.

تتعامل هذه الظواهر مع القاهرة القديمة على أنها شيء من الماضي، ثقافة خاصة أو قيمة تراثية، بلا معنى أو حياة، كأنها ليست حياة تعاش بحق، وكأننا في لحظة من اللحظات يُطرح فيها سؤال سميث:

who own the past؟ من يملك الماضي، لحظة انتقالية يعاد فيها تشكيل الحاضر لصالح فئة بعينها، دون النظر للآخرين، من أصبحوا فجأة يملكون الماضي، وبالتالي لا حق لهم في تشكيل المستقبل.

هذه النظرة للثقافة على أنها شيء مادي يمكن امتلاكه أساسية في توزيع القوى وتشكيل الهويات بحسب سميث، حيث تقول في كتابها إن تحويل ثقافة جماعة لشيء مادي له قيمة فنية ما هو طريقة أساسية لتحويل النظر عن معاناة هذه الجماعة أو اختزال حكايتها وسرديتها في تجربة ثقافية ما لها صدى تاريخي.

في نهاية قصة Everyday Use تغادر دي منزل طفولتها بدون غطاء أو لحاف الجدة، ربما إعلانًا من ووكر بتأييد هذه الطريقة في التعامل مع ممتلكات الغير.

“It gives people what they want instead of what a particular group thinks they ought to want.”

Friedman, Capitalism and Freedom

“Democratise heritage and empower those voices and knowledge which, in her view, are disenfranchised because they are not considered heritage experts.”

“[T]he ability to possess, control and give meaning to the past and/or heritage sites is a re-occurring and reinforcing statement of disciplinary authority and identity.”

The text explains that traditional heritage studies often focus on physical objects and rely on experts to decide what is important. This approach ignores the cultural and social meanings that communities attach to heritage.

Instead of asking “Who owns the past?” Laurajane Smith argues that heritage should be about the shared values and identities of people today, not just what experts think is important. She believes heritage should be more inclusive, allowing communities to have a say in what matters to them.

Smith finds the cultural monopoly of heritage experts, and the anti-competitive nature of a universalised narrative of heritage, abhorrent. Both theorists’ work reacts to situations which they find politically unpalatable.

كيف أخذ نصيبه من الرأسمالية، حين حوّلته لسلعة، دون أي اعتبار لكونه جزءًا من الحياة اليومية لأمة كاملة، بل وقولبته في قالب الفن والندرة، لتأكيد فكرة مرعبة في لاوعي طبقة كاملة من البشر، وتأكيد قدرتها على تسليع الآخرين، بتسليع ثقافتهم، وجعلها شيئًا قابلًا للشراء والاقتناء، دون الالتفات لأن ما تعلّقه كديكور وتحفة فنية في بيتك شهد ما لا ينتهي من مأساة الآخر، بل واختلط بعرقه ودمائه.

شارك هذا الـمقال