صدرت نتيجة المرحلة الثانوية، وتقف الآن أمام اختيارٍ للأسف هو من أهم اختيارات حياتك، أو هكذا أنت تعتقد. وأقول ”للأسف“ لأني أعي جيداً أنه اختيار صعب عليك وأنت في الثامنة عشرة من العمر.
أسمعك وأنت تسأل: لماذا عليك أن تقرر الآن مستقبلك الوظيفي وأنت لا تدرك الكثير؟ بل دعني أقول لك وأرجوك ألا تغضب: إنك لا تدرك شيئاً إطلاقاً عن سوق العمل ومآلاته. خوفك في محله، ولكن الرهان ليس كما تعتقد.
ولكن أولاً، دعني أبسّط لك الاختيار بإخراج أحد الاختيارات خارج اللعبة. لا، لن تصبح مارك زوكربيرج!! لو قررت ألّا تحصل على الدراسة الجامعية وتتفرغ لتلك الفكرة التي تظن أنها ستصنع منك ملياردير، فإن احتمالية نجاحك في محاكاة مستقبلٍ مشابه لمارك هي واحد في الـ٥٠٠ ألف، أو بطريقة أخرى: ٠.٠٠٠٢٪!!
نحن لسنا في أمريكا، أنت لن تترك فرصة للدراسة في أحد أكبر جامعات العالم، ونحن لسنا في بداية الألفية حيث ما زال العالم يكتشف الإنترنت. أعلم أن قصص رواد الأعمال التي تملأ الفضاء الإلكتروني مغرية، ولكن الشيطان في التفاصيل يا عزيزي.
هل أنا أدعوك إلى الإحباط؟ بالعكس، أنا أفعل عكس ذلك تماماً. إذن دعني أساعدك على الاختيار.
لا تحاول أن تجيب عن كافة الأسئلة المتعلقة بمستقبلك في العشرين عاماً القادمة الآن. أنت فسيولوجياً لا تستطيع. لا يكتمل نمو عقل الإنسان حتى سن السادسة والعشرين طبقاً لكافة الدراسات العلمية المعتبرة. إذن ماذا لك أن تفعل الآن؟ فكّر في الخمس سنوات القادمة فقط.
ابحث عن شيءٍ تستطيع أن تستمتع بقضاء وقت في فهمه خلال الخمس سنوات القادمة. وأنت تغوص في فهمه، ابحث عن فرعٍ مشتقٍ منه يروق لك دون غيره وتبحر فيه أكثر، وبلغة السوق: ”تخصّص“ فيه.
مع نهاية الخمس سنوات، لو كنت حقاً فهمت ذلك الشيء وحقاً أصبحت متخصصاً عن غيرك في فرعٍ منه، ستجد بنفسك أو ستجدك فرصةٌ لتثبت أنك حقاً تفهمه. اعمل بهذا المجال لبضع سنوات. حاول أن تصنع فارقاً في محيطك. حاول أن تضيف قيمة.
مع نهاية الخمس سنوات، قف واسأل نفسك مرة أخرى: هل أنا مستمتع بما أعمل؟ إذا كانت الإجابة نعم، تعمّق أكثر وتخصّص أكثر. وإذا كانت الإجابة لا، فلا تقلق، لم ينتهِ العالم.
اسأل نفسك مرة أخرى: ما هو الشيء الذي أستمتع بقضاء وقت في إنجازه؟ وأعِد الكرّة. ولكن عليك أن تدرك قبل أن تُثقل كاهلك بالمسؤوليات المادية أن كل تغيير سيكون له ثمن يُدفع.
قد يكون الثمن من وقتك، وهذا أزهد الأثمان. وقد يكون مجهودك وتعبك، وربما هذا أيضاً مقبول. ولكن قد يكون أمانك المادي أو استقرار أسرتكالتي ربما تكون قد كوّنتها، فلا بأس أيضاً؛ المهم أن تدرك الثمن وتخطط لدفعه.