الثانية ظهرًا
١١٣٨ كلمة

ككثير من أبناء القاهرة، وقعت منذ سن صغيرة في معضلة المدلل غير المقدر لنعمته، حين يخبرني أصدقائي الوافدون من المدن الأخرى، التي نسميها الأقاليم، بأنني أعيش حالة من الرفاه، حين أخبرهم أنني لا أشاركهم الهيام بالقاهرة وعشق شوارعها الأسمنتية الرمادية.

لكن حين ينتقل الحديث لـمترو القاهرة، فحتى محدث النعمة مثلي لن ينكر فضل تلك العلامة الحمراء، التي تنعكس على وجهك في شارع مظلم ضللت طريقك فيه، كي ترشدك إلى طريق المنزل.

اختلفت الخطوط التي ارتدتها في المترو باختلاف مراحلي العمرية، فبدأت طريقي في المرحلة الإعدادية من البوابة الكبيرة للغاية على طفل مثلي وقتها، محطة المرج. أتذكر حينها بطولي الذي لا يتعدى خاصرة الكبار، كانت تتقاذفني الأجساد المهرولة العصبية، ما بين عمال وموظفين وأسر وحتى مجندين.

صدق من قال إن مصر ليست للمبتدئين، لكني أراهن أن ما عناه حين قال ذلك هي بعض الصور الذهنية، ساعة الذروة في خط المترو الأول هي واحدة منها، صورة تشبه تدافع النمل خارجًا من عشه بعد إغراقه بالماء.

دخلت عربة المترو لأدرك عدة حقائق مهمة لا تتغير مع الزمن، أولها أن عربة المترو دائمًا حارة من الداخل، سواءً كنا في يونيو أو ديسمبر، وسواءً أجرم السائق مشغلًا المكيف أم لا. ثانيها أن الشخص الذي يستطيع إيجاد مجلسه أكثر من ثلثي رحلته في المترو يمتلك مهارةً من يجيدونها يُحصون على أصابع اليد الواحدة، فـقنص المقعد الخالي هو شيء فشلت فيه في جميع سنين عمري التي استعملت فيها تلك المواصلة.

وبالرغم من أن مشواري وقتها الذي كنت أقصده يوميًا لا يتخطى بضع محطات، فإن عبث هذا الخط والتحديات فيه جعلتني أشعر بأنني كنت أتجاوز ست مدن وليس ست محطات. مازلت أذكر رائحته إلى الآن، التي وللمفاجأة لم تكن كريهة بالضرورة، بل رائحة أشبه برائحة التعب.

وجدير بالذكر أن مشاعري تجاه الخط الأول تحددت بالغرض الذي استعملته من أجله حينها، فبينما كنت فتىً مخضرمًا في الإعدادية وعلى وشك خوض الثانوية، كنت أذهب حينها لرؤية أصدقاء عرفتهم من الـفيسبوك لأول مرة. حسنًا ربما لا أعرف أين هم الآن، أو كيف يمكن لفتى في الثالثة عشرة أن يقابل شبانًا معظمهم أكبر منه وقتها.

ولكن بسبب أن أجواء أول ارتياد لي للمترو وقتها كانت أجواء مغامرة مع كثير من الحماس والانبهار وقليل من التوتر، باتت تلك دائمًا هي فكرتي عن خط مترو المرج حلوان، وللأمانة فهو ملائم لها، باختلاف شكل مقاعده الذي يشعرني وكأنه مترو في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر، أو بلعبة ”أين سيفتح المترو؟“ التي نخوضها جميعًا مهما كنا متمرسين.

بوصولي الجامعة، أُجبرت على مسار محدد، مسار جديد بمغامرة جديدة، كان الفيصل فيها هو الموقع الجغرافي. أحيانًا ما أشعر أن كل الطلاب في جميع بقاع القاهرة الكبرى وُلدوا بعيدين جدًا عن جامعاتهم، ففي تجربتي على الأقل، اضطررت لركوب أربع وعشرين محطة مترو يوميًا للوصول لجامعتي، ما بين الخط الثاني والخط الثالث.

ذلك الأخير الذي يدعونه دائمًا بالـ”مُكيف“ أو ”الملون“، وإن كانت هناك نكات كثيرة عن الفرق في الجودة ما بين خط شبرا المنيب وخط عدلي منصور، مثل تشبيهه بالفرق بين الجنة والنار، أو عودة الروح للجسد.

أُفضل تشبيهه بالفصل الأول والأخير في أفلام الرعب، ذلك أن كل شيء يبدأ سهلًا بسيطًا لا يشوبه إلا قليل من الازدحام والضوضاء في الخط الثالث، حتى نصل للتحويلة من محطة العتبة، ويمكن جليًا حينها رؤية الأمور وهي تتخذ منحىً أكثر قتامة وأقل ألوانًا بالفعل.

بينما نسير مع المارة بعنف صاعدين السلالم المتحركة والعادية، بعنف لكن بثبات، لا يُغرد أحدنا خارج السرب بأن يسير أبطأ من الجمع بروية وتأنٍ لا سمح الله، كما لا يسرع أكثر منا كذلك. وبالرغم من أن طريقي كان ينقسم ما بين ثماني عشرة محطة في الخط المكيف وست محطات فقط في خط الموتى، إلا أني أقسم أن الحمل النفسي للمحطات الست أكثر من ثلاثة أضعافها في الثالث.

صرير المفصلات، انعدام التهوية، صوت العربات تتحرك يطغى على صوت أفكارك، بالإضافة إلى غياب الصوت؟ أين الصوت؟ صوت ذلك الرجل المألوف: ”المحطة التالية العتبة.. العتبة، سيتم فتح الأبواب جهة اليسار“، دائمًا ما تكون اليسار لعلمكم، أشعر أنه لم يسجل غيرها. كانت موجودة في الثالث بطبيعة الحال وحتى الأول! فلماذا ليس هنا؟

أخذت تلك الرحلة اليومية لمدة 4 سنوات تعرّفني على ”تريكات“ أعلت من تصنيفي كراكب للمترو، فتعلمت مثلًا أي عربة أختار عند الازدحام. فـ”غشيم“ هو من يذهب متطرقًا أقصى اليمين أو الشمال ظنًا منه أن تلك عربات خالية، قد ينفعك ذلك في أوقات غير أوقات الذروة، ولكن المحترف فقط يعلم أن قصد المنتصف وقت الذروة غالبًا ما يعطيك مكانًا للوقوف بآدمية، وربما إن كنت محظوظًا كفاية، مكانًا للجلوس.

كما تعلمت أيضًا أنه كيفما تقول الحكمة: ”ذُل من لا سيف له“، فالوضع مختلف في مترو القاهرة، هناك تعلمت فقط أنه ”ذُل من لا هيدفون له“، من ترك أذنيه عاريتين تستقبلان صوت صهريج عجلات المترو اليومية، التي قد تدفعك إلى حد الجنون.

إن كنت مثلي ممن يكرهون الأصوات العالية، ممن يطلبون حتى بعض الهدوء ليجمعوا شتات مخيلتهم ويتركوا العنان لأحلام اليقظة، أهنئك سوف تعاني في المترو أشد المعاناة. لا أبالغ حين أعترف أنني فوّت عمدًا أكثر من يوم في جامعتي عندما وصلت لباب المترو واكتشفت أنني نسيت سماعاتي البلوتوث، واضطررت منزعجًا لأن أضع هاتفي مقلوبًا على أذني أسمع بسماعاته المكبرة حتى لا أفقد عقلي.

فقط في أيام الامتحانات التي نسيت فيها السماعة أيضًا، قد يظن أغلبكم أنني أتوجه بسرعة لقائمة أغاني الميتال الصاخبة، قد أفعل ذلك أحيانًا لا أنكر، ولكني أغلب الوقت ما أبحث عن البودكاستات وأحاديث ”اللت والعجن“.

ولم أجزم لماذا إلا الآن المترو هو وسيلة المواصلات الوحيدة التي أشغل فيها كلامًا بلا ألحان في سماعتي، ربما لأن صوته العالي ليس إزعاجًا عاديًا يمكن التناغم معه مثلما يحدث في الميكروباص، بل لأنه يطغى على جوارحي كلها كأنك غطيت كياني ببطانية من الصخب العنيف، في وقت لم أحتج فيه الالتحاف أصلًا، وكل تلك القسوة المنظمة لا أقدر على مواجهتها إلا بلمحة إنسانية خالصة من الثرثرة.

في النهاية تأملت لِمَ علاقتي مع المترو الذي ارتدته كراكب دائم في الإعدادية، الثانوية، الجامعة والآن في العمل حتى، لم تكن علاقة تقدير خالص بالنسبة لي، أو علاقة تستدعي مني الإشادة بصديقي المؤلم هذا أمام الجميع، أو أمام أصدقائي من مدن الدلتا حين يجيئون القاهرة، ويخبرونني كيف يشعرون بالسعادة لرؤية علامته الـM وكيف لا يشعرون؟

فمنذ أن تدشّنت تلك العلامة وهي أصبحت تعني الطريق وسط الضلال، كثير منا كان يفرح أن يصادف عمله أو مكان تعليمه أن يحوم موقعه حول تلك العلامة، أو يرسم عمدًا خط سير موعده الغرامي ليكون بالقرب من محطة.

ربما بالنسبة لي أنني ولدت في القاهرة ساعدني فعلًا على عدم تقدير النعمة وإحساس أنها وسيلة مواصلات مُسلَّم بها، لكني لا أترك أيضًا خارج الحسبان حقيقة أن طبيعتي الهادئة تضادّت دائمًا مع طبيعته القاسية العنيفة، القاتمة في كثير من الأحيان، حتى انعكست جليًا على وجه ركابه اليوميين.

حين أتأمل تعابيرهم حينما لا يكونون على عجلة من أمرهم، وهم جالسون عابسو الوجه، مستقرين على مقاعدهم بنظرات تجعلك تفكر أنهم لا يعبأون حقًا بما هي المحطة الحالية أو القادمة. فقط حين تجيء محطتهم يتغير كل شيء وتنطلق الجحافل متذكرةً أن لديها عملًا ومدرسةً وجامعةً وبيوتًا.

وإن كنت صغيرًا أركبه لأول مرة، فيحوم في رأسي سؤال واحد:

لِمَ كل هذه العجلة؟“

كبرت وتغيرت وفهمت، وصرت الآن أسأل:

لِمَ كل هذه العجلة؟ لِمَ كل هذا العبوس؟“.

شارك