لا أعتقد أن الشغف موجود كما قيل لنا.
أستيقظ صباحًا أشعر بالملل من تكرار نفس الروتين، ومن التفكير المستمر في ماهية شغفي، وذلك الشيء الذي سيجعلني حقًّا أريد الاستيقاظ صباحًا. وعوضًا عن تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة العديد من ”الرييلز“ العشوائية لفترة غير محددة من الزمن، حتى أملّ وأرجع مرة أخرى للتساؤل عمّا سأفعله في يومي، وفي ذاتي، وفي حياتي، سأستيقظ وأنهض فورًا للتخطيط له ولملاحقته.
وعوضًا عن محاولة فعل أشياء مختلفة خلال اليوم ليست لها علاقة ببعضها بعضًا، في محاولتي لإيجاد هذا الشيء والنجاح فيه، التي تنتهي بإغلاق كل ما أفعله وفتح المسلسل التركي ذو الـ100 حلقة، سيكون لي مصدري الحقيقي والثابت من جرعة الدوبامين والحماس اليومية، وربما لبقية حياتي.
ولكن قبل هذا كله، لدي العديد من التساؤلات التي، بالإجابة عنها، أتمنى أن أصل إلى مرادي، أو حتى أن تهدأ تلك الفوضى التي بداخلي، تلك الفوضى التي عبثت بي دائمًا وجعلتني أضحوكة أمام نفسي، ولم أعبث بها بما يكفي لأستطيع ترتيب بعضها وجعل البعض الآخر منها أقل حدّة.
هل يجب أن يكون الشغف ثابتًا كي يكون حقيقيًا؟
دائمًا ما تعلمنا وظننا أن الشغف يعني تلك الشعلة التي نعيش بها في داخلنا، وتجعلنا نعرف ماذا سنفعل، وكيف سنفعله، ومتى وأين، طوال الوقت، وتجعلنا أشخاصًا رائعين ومثيرين للاهتمام.
نعرف دائمًا ما سنتكلم عنه في أي تجمع، وأننا لا نشعر بالضياع أبدًا، ولا بالملل، ولا بالشك في قدراتنا أو قدرتنا على الاستمرارية، كما أشعر الآن مع كل كلمة أكتبها، كما لو أن الطريق عبارة عن كوب قهوة وكتاب ودفاتر منظمة ومنمقة جدًا، واستمرارية بلا انقطاع، يليها نجاح مبهر ونهاية سعيدة.
ولكن الحقيقة أقل درامية بكثير؛ فهو أبطأ مما قد نتخيله، وفي أغلب الأحيان سنجبر أنفسنا على فعله، ليس لأننا لم نعد نحبه، ولكن لأننا متعبون.
وهناك أيام من المقارنة والشك ستجعلنا نفكر في التخلي عنه، وربما سنتخلى عنه ونجد شيئًا آخر يعيد إلينا شعور اللحظات الأولى من الثقة والحماس، حتى نكتشف أنه لا يمثلنا حقًّا، فنرجع إلى ما تخلينا عنه، ونحن نعلم بأننا لن نستطيع أن نجد أنفسنا في أي شيء آخر.
وقد نكرر الحلقة نفسها مرة أخرى إلى ما لا نهاية، وقد نستطيع السيطرة على أنفسنا وفوضانا الداخلية فنصل إلى ما نريد.
والإجابة، من وجهة نظري الآن بعد الاستغراق في التفكير، أنه يجب علينا أن نتقبل أن التذبذب جزء منه، والثابت الوحيد هنا قد يكون إصرارنا وعزيمتنا، وأن تلك الصعوبات التي نواجهها ربما ستكون الندبة التي ستضيف للوحة تميزها، والتي ستجعلنا حقًّا فخورين بأنفسنا فيما بعد، وسيكون لدينا قصة نرويها.
والتخلي عن المثالية والصورة القديمة سيكون نجاة لأنفسنا وعقولنا وروحنا.
الشغف: هل هو رفاهية أم ضرورة؟
إذا تذكرنا النسخة الصغيرة من ذواتنا، تلك النسخة التي لم تعرف العالم، وفقط صنعت لنفسها عالمها الخاص الصغير، واهتمت بالعيش فيه وتحسينه بفعل الأشياء التي تجعلها تشعر بالسعادة، بغض النظر عن أي مؤثر خارجي من المؤثرات التي لم تعرفها إلا حين كبرت، ومع كل اكتشاف، ومع كل زيادة في الوعي بالعالم، ومع كل تعرض للرفض، بدأت تتقلص وتصغر شيئًا فشيئًا حتى اختفت.
أتذكر أنني أحببت العديد من الأشياء، وكنت أشعر أنني حققت أكبر إنجاز في العالم حين كنت أفعل شيئًا منها، واستمرت هذه الشعلة بداخلي حتى أنهيت الثانوية.
وجاء وقت الدخول إلى الجامعة والتفكير في شيء حقيقي لأفعله وأواجه العالم به، كما أخبروني دائمًا.
ولأن واقعي آنذاك كان سيئًا جدًا ومضرًا بي، وكان هدفي الوحيد هو النجاة وتغييره، دخلت في دوامة من التفكير والرغبة في كل شيء، ولم أجد شيئًا واحدًا يستطيع أن يعطيني كل شيء، فاخترت أن أدرس وأسعى وراء الشيء الذي سيحقق لي النجاح المطلوب لتغيير ذلك الواقع، أيًّا كانت ماهيته، وبغض النظر عن رغبتي الحقيقية في فعله.
وفيما بعد، اكتشفت أنني مهما حاولت لا أستطيع فعله؛ لأنني ببساطة لا أحبه.
وكنت بالفعل قد أنهيت عامين في الجامعة بتقدير ممتاز، وكان الرجوع صعبًا، حتى تركت كل شيء، وتغيرت حياتي، وعلقت بعام مستحيل فيه التقدم أو الرجوع.
ومع الفقد، تعلمت أن لا شيء يهم حقًّا، وكل ذلك كان وهمًا.
ربما الحصول على وظيفة ومال ومنصب شيء ضروري، وهو ما زال ضروريًا جدًا لي حتى الآن، ولكنني لن أجيد فعل أي شيء بشكل كافٍ كي يؤهلني لذلك إذا لم أكن أحبه.
ومهما حاولت أن أعاند نفسي، ينتهي بي الأمر بالفشل، فأشك في ذاتي وقراراتي وكل شيء منذ البداية.
والحقيقة أنك لست مجبرًا على التخلي عن واحدة والحصول على أخرى؛ بالعكس، في هذا العصر ما يهم هو مدى إتقانك لما تفعله ومدى ولعك به، وستجد الفرص المناسبة في كل مكان، وستستطيع توظيفه بالشكل المطلوب لكي تنجح نجاحًا ساحقًا.
هل نربط قيمتنا بإنتاجيتنا؟
بالنسبة لي، لا أعلم إذا كنت أعلم إجابة هذا السؤال حقًّا، أو أن مقالًا واحدًا كافٍ للإجابة عنه.
فتارة أربط قيمتي بما تحتويه نفسي من رغبات وأحلام وهوايات وشغف واهتمامات، وبما أنا عليه من شخص جيد يحب من حوله ويقدم لهم الحب والدعم غير المشروطين بأي شيء سطحي أو مادي، ويعرف كيف يتعاطف، وكيف يود لو يستطيع أن ينشر السلام والحب في كل العالم.
وتارة أشعر بأن ناتج كل هذا على أرض الواقع، وعلى الطريقة التي يراني بها العالم، صفر، فأرى نفسي فارغة من كل شيء، كأنني أمضيت حياتي وحدي على جزيرة بعيدة، فلم يلاحظني العالم، ولم أتعرف إلى الحياة كطفل وُلد البارحة.
وأيضًا يسيطر عليّ الخوف من بقائي هكذا، ومن التقدم وأنا ما زلت أجدّف بلا وجهة، على الرغم من تنبؤ عائلتي ومعلمّي وأصدقائي لي بمستقبل واعد لدرجة الغيرة والخوف مما سأحققه في المستقبل.
ولكن داخلي دائمًا ما كانت تحل الفوضى وعبثية الوجود.
والآن أنا أنظر إلى الفتيات الأخريات، وهنّ لديهن إنجازات يعترف بها المجتمع، وأنا لا أشعر بالغيرة، ولكنني أشعر بانعدام القيمة والذات، وأشعر بأن مفتاحي الوحيد للحياة، وحتى للعلاقات، هو أن أصبح مثلهن، حتى إذا لم يكن بالطريقة نفسها، ولكن يجب عليّ أن أجد طريقة ما، وهذا ما أفعله منذ فترة، مع محاولة توظيف ما أحبه حقًّا؛ لأنني لن أستطيع التخلي عنه.
الآن، الشعور بأنني لم أُخذل نفسي وبقيمتي أصبح مرتبطًا بإنجازاتي، ولا أستطيع فعل أي شيء سوى محاولة التصالح معه، والتقليل من حدته حتى لا يعيقني بدلًا من أن يدفعني.
وربما بهذه الطريقة سنجد النجاة، فنحن في النهاية لن نستطيع التغلب على كل ما يرتبط بكوننا بشرًا نرغب في كل شيء.
وفي النهاية، ربما الشغف ليس ما نقضي حياتنا في البحث عنه، ولكن ما نصنعه بعد رحلة طويلة من اكتشاف الذات وتهذيبها، لجعلها ذاتًا قادرة حقًّا على مواجهة الصعوبات والعالم، وذاتًا قادرة على الإنتاج.