الثامنة صباحًا
٦٣١ كلمة

دخلت الكلية التي أرغب بها وكنت أظن، كما ظن جميع من يشاركوني الحال، أن لي مسار واضح في الحياة، وهذه رفاهية ليست عند الجميع وسأعرف بعد ذلك أنها لم تكن عندي أيضًا.

مرت سنوات الدراسة في رتابة دراسية وانطلاق اجتماعي هنا وهناك وفي كل مكان حتى تعددت دوائر صداقاتي وتشعبت وأصبح لي في كل خرابة عفريت كما يقولون.

جاء التخرج وجاء مع سؤال بليغ سألته أحد الأسماك في فيلم ”البحث عن نيمو“ بعد نجاحهم في الوصول إلى بي شيرمان ٤٢ شارع ولبي سيدني،

السؤال هو ”Now what?“ ماذا الآن؟

كنت في كلية طبية لها مسار تراتبي واضح، لكن هذا المسار لم يكن يبدأ إلا بعد سنة كاملة من التخرج، علي البحث عن عمل، على التفكير في تخصص، هل علي العودة لمنزل أهلي مرة أخرى؟

أسئلة كثيرة وإجابات قليلة أو غير موجودة من الأساس، علي الاختيار، وبطبيعة الحال الاختيارات متعددة، ولا معونة لك في ترجيح أحدهم على الآخر. وهنا تأتي ما يسميه البعض ”أزمة ربع العمر“ وأصعب سؤال في تلك الأزمة هو ”ما الذي يجعلني سعيدًا؟“

رأى عدة باحثين عن طريق مراجعة منهجية وتحليل لعدة أبحاث أقيمت من سنة ١٩٨٧ لسنة ٢٠١٨ أن أكثر من ثُلث الخريجين الجدد يعانون الاكتئاب بدرجات متفاوتة، وذلك يرجع في رأيي لعدة أسباب:

  • في سنوات الدراسة، منذ دخولنا التعليم النظامي حتى انتهائنا منه، نتدرب على نظام مكافآت واضح، ذاكر، اجتهد، احرز درجات تعكس اجتهادك، ستكافئ على ذلك من أهلك ومن معلمينك ومن المجتمع، بعد التخرج يسلب منك ذلك النظام، وتفقد جزء كبير من تقدير الناس لك وتقديرك لنفسك، أو بالأحرى هذا ما تعتقده.
  • الانفصال عن الروتين، نظل في دراستنا الجامعية عدة سنوات معتادون على روتين واضح، بالانفصال عنه نشعر بالضياع ونجد صعوبة في ترتيب حياتنا دون محاضرات أو امتحانات، أو مكان نذهب إليه عدة مرات في الأسبوع.
  • تفكك الدائرة الجامعية الاجتماعية، لم أعاني من هذا بقدر كبير لأن لم تكن لي دائرة من الأساس، لكن جزء كبير من الخريجين يكون لهم دائرة اجتماعية نشطة خلال الدراسة الجامعية وبإنتهائها تتفكك الدائرة ولو بدرجة قليلة وذلك يؤثر على الحالة النفسية.
  • ضرورة إيجاد عمل، حتى وإن كنت لا تحتاج إلى العمل لضرورة مادية، فالمسار الطبيعي والمعتاد بعد التخرج هو إيجاد عمل يعتمد أو لا يعتمد على ما قمت بدراسته، لو كان ما تبحث عنه معتمدًا على دراستك فأنت أكثر حظًا ممن عليه إيجاد ما يريد أن يعمل به، يُجد في التدرب عليه، ثم إيجاد عمل.

الكل، بما فيهم أنت، تنتظر خطوتك التالية، وأنت بالأساس لا تعرف أين تضع قدمك وتجد نفسك في أزمة من اللاتي يطلقون عليها وجودية، من أنا؟ ماذا أفعل؟ ما سأفعل؟ أين سأذهب؟

إليك بعض النصائح التي قد يفيدك بعضها في تجاوز تلك الأزمة:

  • لا تبق في المنزل طوال الوقت، لا تحاصر نفسك بحوائط حقيقية بعد انطلاقك في كل مكان في الجامعة.
  • لا تفقد الصلة بأصدقاء الجامعة، قد يكون ذلك صعبًا إن كنتم من مدن مختلفة، لكن العالم الرقمي لم يُبقي أعذار لإنقطاع التواصل، وبإمكانك خلق فرص لقاءات دورية.
  • اخلق روتين ليومك، حتى وإن كان هذا الروتين أن تذهب كل صباح لإحضار الخبز وإعداد إفطار رايق وشرب الشاي.
  • ضع خطة للبحث عن عمل، الهدف الأول من الخطة هو إيجاد عمل بالطبع، لكن هناك هدف ثاني وهو عدم الشعور بالضياع التام، اتباع خطة يخلق نوع من الاطمئنان أن الأمور تتحرك في أي إتجاه وليست ساكنة.
  • عد للهوايات التي قد شغلتك الدراسة عنها، أو كون هوايات جديدة، قد تكون رياضية أو فنية أو تزجية وقت، المهم أن يكون هناك ما تفعله.
  • اقضِ وقتًا في البحث عبر التخصصات، حتى وإن كان مسارك المهني ممهد، العالم الآن شديد التخصص في الاختيارات المهنية، تأكد من إلمامك بكل الإختيارات المتاحة لك.
  • فترة ما بعد التخرج هي فترة التجارب، إلق بنفسك في أي تجربة -طالما لن تتسبب في أذى- وراقب تفاعلك معها ونتائجها، فغالبًا لن يتاح لك وقتًا للتجربة أبرح من تلك الفترة.

وأخيرًا، كن رفيقًا بنفسك، ولا تتصور إن هذه فترة ستدوم للأبد، لأنها قطعًا لن تدوم.

شارك هذا الـمقال