”ما أطال النوم عمرًا.. ولا قصّر في الأعمار طول السهر.“
هذا البيت المنتمي إلى رباعيات شاعري المفضّل عمر الخيام، الذي تربطني به علاقة صداقة روحية، والتي أستخدمها كعزاء عن عدم قدرتي على النوم.
يُعدّ النوم ضيفًا عزيزًا على أمثالي ممن يغزو الأرق حياتَهم. لا أتذكر تحديدًا متى أصابني الأرق، لكن ما أذكره أنني لم أحب النوم في طفولتي القصيرة. كنت أعتبر إغلاق الجفون نوعًا من نهاية عالمي الخاص القائم على الألعاب ومشاهدة الكارتون التي كانت تملأ تلك الفترة من حياتي.
لم يتوقع هذا الطفل أن يصير يومًا يتوق للنوم، ليس باعتباره عقابًا، بل مكافأةً عن تعب اليوم الذي قضاه في العمل أو الدراسة. هذا الشاب العجوز الحالي أُصيب بوحش يلتهم صحته العصبية وربما النفسية، ويُضعف قوّته، وهو الأرق.
في السنوات التي هجم فيها الأرق، حاولت خِلسةً اقتناص بعض الساعات من فم سارق الراحة، ومع ذلك فشلت محاولاتي كثيرًا. فعلت كل ما يلزم عشان أعرف أنام:
تناولت الأشواجندا، الينسون، البابونج وكل الأعشاب والمشروبات الساخنة الممكنة، هجرت فنجان القهوة وكوباية النسكافيه وخربوش الشاي. كل هذا لم يُجدِ نفعًا.
صار الأرق عادةً مرتبطة بحياتي بشكل لا أعرف معه نفسي لو غاب عني يومان بفعل التعب. في ساعات الليل يصبح السرير مليئًا بالأشواك، والمخدات عبارة عن حجارة، أتقلّب حتى تبزغ أشعة الضوء الأولى مُعلِنةً أنني سأغوص في غمار يومي بلا نوم.
في طريقي لتلمّس الهروب من الأرق، وجدت المكان الذي أنام فيه تقريبًا في كل مرة أضع رأسي فيه، وهو المواصلات.
عندما أركب الأتوبيس أو الميكروباص، على عكس الأغلبية، تنتابني أنا وفئة ليست بقليلة من البشر حالة من الراحة المفاجئة؛ أضع رأسي على النافذة وأراقب الطريق. على مدار الرحلة من البيت إلى العمل أو الجامعة والعكس، أستقل العديد من وسائل المواصلات، ويضيع من عمري الكثير على الطريق.
هذا الطريق الذي يعرفني أكثر من أي أحد آخر، هو الشاهد على أفراحي وخيباتي، على فرحي وحزني.
في المواصلات أتذكر حياتي الماضية، تتشكّل مشاهد من كل المشاوير اللي قطعتها على زجاج النافذة. يتداخل التفكير في المستقبل مع الذكريات ليصبح الأمر مزيجًا مما كنت وما أريد أن أكون.
في هذه الأثناء أتسلّل من بين كماشات التذكّر والتفكّر والأرق لأحصل على بعض دقائق من الراحة، أُغمض عيني، وعلى عكس السرير يأتي النوم ويُربّت عليّ. تتدفق الأحلام والخيالات، ما أهرب منه طوال اليوم يزورني في لحظات نومي المعدودة، ومع ذلك وعلى عكس البيت لا أنتفض فزعًا.
صحيح أنه في بعض المرات ينتابني شعور بالسقوط، وكأنني أسقط من قمة جبل جهازي العصبي لأقع في مستنقع الواقع من جديد، لكن دون خوف. ربما تشعر نفسي أن النوم هنا مضمون حتى لو شابه بعض الاستيقاظ غير المتّفق عليه.
يُعيدني الأتوبيس بشكل ما إلى زمن كنت فيه طفلًا رضيعًا يُهدهَد. نعم، من الممكن أن يكون ذلك السبب، فهو يعود بي إلى الوقت الذي شعرت فيه بالأمان، عندما كانت تحملني أمي أو جدتي، وفي تلك اللحظة كنت أنام. يتذكر العقل كل شيء، حتى لو حاول النسيان.
العودة إلى الطفولة المبكرة ووضع الرضيع تُعيد الكثير منا إلى حالة من الأمان؛ نحن نفتقد أحضان أمهاتنا، ونتوق لطبطبتهم وإلى حملهم لنا.
تُعدّ المواصلات العامة مكانًا يعجّ بالضجيج على عكس البيت، وهي أيضًا ليست المكان الأكثر أمانًا لمحاولة أخذ قسط من الراحة، ومع ذلك قد نشعر بالأمان هناك.
في فيلم ”Insomnia”، الذي ترجمته بالعربية “أرق”، بطولة النجم العالمي آل باتشينو، والمخرج كريستوفر نولان، يعاني المحقق ويل/ آل باتشينو من أرق مزمن طوال أحداث الفيلم. يبدو للوهلة الأولى بسبب الضوء الذي يقتحم غرفته، والذي يأتي بسبب طبيعة المكان الذي لا تغيب شمسه تقريبا، لكن بشكل ما يصبح هذا الضوء إسقاط على الأفكار التي تطارد ويل سواء منذ جاء إلى هنا، أو حتى قبل ذلك.
تصير ظروف مكان النوم مجرد حجة في عقل ويل تمنعه من النوم، وتجعله لا يألف السرير. ضمن أحداث الفيلم تذكر جملة “الأرق هو أسوء أنواع الوحدة.“، وهي تكشف أن ما يضيف للأرق بعدا أكثر سوداوية هي الوحدة. في الليل يصمت العالم كله، وتصبح الوحدة أكبر بشكل قادر على ابتلاع البشر الوحيدين، ويصير الأرق ثقبًا أسود يتغذى على تلك الوحدة.
الضوء الذي يعكر صفو نومنا، ليس سوى أفكار متجسدة على شكل أشعة تخترق نوافذنا وشرفاتنا، ومهما حاولنا منعها، تعبث بعيوننا. في ليال كثيرة أعيد مشاهد من محاولات ويل لحجب الضوء المتسلل، عندما يدخل في ساعات الصباح الأولى من شرفتي لينيرغرفتي. وذلك بعد ليل طويل لم أستطع النوم فيه.
لا أنجح في طرد الضوء، تماما مثل ويل، ربما لأن الأفكار تسللت قبلها، وملأت الغرفة.
الخوف من الهدوء الكلي أثناء الليل هو أمر آخر يتعلق بالأرق؛ يسمح صوت الصمت لعقلي بالعمل أكثر، وتبدأ الأفكار في غزو رأسي. وهذا جُلّ رعبي: أن أُترك مع أفكاري وحيدًا.
لم أخَف في مرة أن تفوتني محطة نزولي، والأغرب أنها لم تفتني قط؛ في كل مرة أستيقظ قبلها مُثقَلًا بعرق من تعب الطريق، الذي لا يهمني فيه غير النوم، حتى لو استندت على كتف من بجواري، أو لم أرد على هاتفي أو رسائلي، أو فاتني طريقي. وذلك لمعرفتي أنني عندما أعود إلى البيت، ومع كل تعبي، لن تُغلق جفوني المُتعبة.