في كل مرة كنت أعلن فيها تعلقي بشخص سواء بكلمات صريحة أو بسلوك، لم أكن أعبّر عن عمق محبتي، بل كنت أوقع على وثيقة إعدام هويتي الشخصية.
لقد وقفت ذات ليلة أمام مرآتي لأكتشف أني لم أعد شخصًا مستقلًا؛ بل تحولت إلى طفيلي نفسي، كائن يعيش على حافة حياة شخص آخر.
ألغيت خططي لأناسب جداوله، وشوهت قناعاتي لأرضي مزاجه، وكتمت صوتي الداخلي خوفًا من أن تثير نبرتي انزعاجه فيقرر فجأة أن ينفض يده مني ويتركني أسقط في الفراغ.
اللعنة الحقيقية في هذا التشبث ليست خوفًا من فقدان الآخر، بل هي رعب عارم من مواجهة ”ذاتي“؛ تلك النسخة التي أراها هزيلة، ومكسورة، ولا تستحق الدعم إلا إذا استندت على كتف أحدهم.
وهذا هو التشوّه الكامل لمفهوم الأمان؛ أن يتحول وجودك بأكمله إلى رهينة في يد كائن آخر، يمنحك صك الحياة بنظرة رضا، ويشنق يومك بالكامل بـ ”seen“ لم يُرد عليها، أو بنبرة صوت باردة لم تحسب حسابها…
بسبب هذا الرعب من الانفصال، تحولت العلاقة من مساحة دافئة للمشاركة إلى زنزانة اختيارية، حارسها هو خوفك، وجدرانها هي رغبتك العارمة في إرضاء الطرف الآخر بأي ثمن.
تصبح كالمترجم الذي يفرغ كل طاقته في تفكيك إشارات الصمت، وتعبيرات الوجه، ومسافات الردود.
تبرمج مشاعرك على مقياس حرارة مزاجه؛ فإذا ابتسم انتعشت، وإذا انشغل تفتتت منظومتك النفسية كاملة، وظللت تفتش في دفاترك القديمة عن ”خطيئة“ لم ترتكبها لتبرر بروده.
وهو محق في جزء منه، فالبشر كائنات اجتماعية بالفطرة، والوحدة القاتلة ليست نزهة شاعرية، والفقد يترك ندوبًا حقيقية في الروح.
لكن الجريمة النفسية تبدأ عندما تتحول من شخص يحب إلى حارس أمن مرعوب يخشى انتهاء نوبة حراسته.
اللعنة الحقيقية كما أسميتها ”التشعبط“ ليست في احتمال رحيل الآخر، بل في ”الخديعة“ التي تمارسها على نفسك؛ إذ تقنعها بأن هذا الاستجداء هو قمة الوفاء والتضحية، بينما هو في عمقه مجرد وسيلة لالتماس قيمتك من عيون لا تراك إلا عبئًا.
الحقيقة الجافة التي نكتشفها بعد كل جولة احتراق عاطفي هي أن القفص الذي تصنعه بيدك لن يمنع الطير من الطيران إذا أراد، وكلما أحكمت قبضتك حول عنق العلاقة لتضمن بقاءها، خنقت كل ما كان جميلًا فيها، وأسرعت بالنهاية التي تخافها.
لقد عشت شهورًا أظن أنني لو ألغيت نفسي تمامًا سأشتري البقاء، والآن أكتشف أن الخوف من التخلي جعلني أهجر نفسي أولًا؛ غنيًا بوجود الآخر في حياتي، ومفلسًا تمامًا من احترامي لذاتي وخفة روحي المستقلة.
أنا لا أقول إن الحل هو التحول إلى كائن بارد يرفع شعار الاكتفاء الذاتي المطلق ويرفض الحب، فهذا تسطير طفولي للأزمة.
الحل يبدأ من نزع ”القداسة العاطفية“ عن وجود الآخرين في حياتنا.
الطرف الآخر ليس إلهًا نعبد بقاءه بالتضحية بهويتنا، بل هو بشر يخطئ، ويتغير، وربما يرحل، ولا يحق له أن يبتز سلامنا الداخلي لمجرد أننا اخترنا مجاورته.
الآن، أحاول بالطريقة الصعبة أن أضع حدًا لهذا التشبث المرضي؛ سأمنح الحب بالقدر الذي يليق بصدق وعفوية، لكنني لن أترك مفاتيح مجددًا في يد أحد ليتحكم بأحقيتي في الوجود أو الاستقرار معه.
سأعتاد مجددًا على الجلوس مع نفسي في صمت، مستمتعًا بأفكاري الخاصة دون وسيط، وسأعتبرها معركتي الصغيرة لاستعادة حدودي النفسية.
سأخوض أحاديث وعلاقات تقوم على التكافؤ لا على الاستجداء، لأنني أدركت أن النجاة ليست في أن نكون ”متعلقين“ في قطار شخص آخر، بل في أن نملك الشجاعة لقيادة رحلتنا الخاصة، حتى لو اضطررنا لقطع بعض المحطات بمفردنا.
الحياة أعقد من أن تُختصر في معادلة ثنائية، وأجمل من أن تُعاش وفق شروط وقواعد يمليها الخوف من الفقد.
أنا إنسان؛ مليء بالأخطاء، والتناقضات، والمساحات الواسعة من الرمادية، وقررت أن أعيش حياتي بحدسي الخاص.
لقد توقفت عن الارتجاف المرعوب أمام فكرة الرحيل.
نزعت عن وجود الآخرين رداء الحتمية المطلقة، وقبلت أن أمشي في طريقي الحالي بجاهزية المحارب ولكن بخفة العابر..
أحب لأجل حياة أفضل..
دون أن أسمح للحفاظ على علاقة بأن يشنق هويتي الحالية على حبال مخاوفه.
وبدلًا من استجداء يدٍ تهم بالانفضاض، اخترت أن أصافح الإنسان الذي في مرآتي الآن، بكل لخبطته وسعيه الصامت، وقررت أخيرًا..
ألا أتركه.