الثانية ظهرًا
٤٧٨ كلمة

في أول ”خناقة“ حقيقية بيننا، لم تكن المشكلة في موضوع الخلاف نفسه، بل في تلك الجملة التي قيلت بعفوية قاتلة: ”أنت ليه محسسني إن العالم هيقف لو متكلمناش النهاردة؟“

ساعتها، شعرت بأنني عارٍ تمامًا.

لم يكن الأمر مجرد رغبة في الحديث، كان ”حماسًا“ فائضًا عن الحاجة، فائضًا لدرجة أنه أصبح يشكل عبئًا.

تمامًا مثل الطبيبة التي أخبرتني أنني ”عطشان“ ولست مكتئبًا، كنت أظن أن حماسي هو قمة الوفاء، بينما كان الطرف الآخر يراه ”دلقًا“ أو ضغطًا عصبيًّا غير مبرر.

لقد وقعت في فخ ”الطرف الأكثر حماسًا“، تلك اللعنة التي تجعلك دائمًا تسبق الآخر بخطوتين، وتنتظر عند خط النهاية لاهثًا، بينما هو لا يزال يربط حذاءه في البداية.

كنت أظن، كعادتي في البحث عن ”الكتالوج“، أن العلاقات مثل معادلات الرياضيات: أ + ب = حب.

إذا قدمت أنا 100%، وقدم الطرف الآخر 50%، فإن المجموع 150%، وهذا رائع! لكن الواقع أخبرني بغير ذلك؛ في العلاقات، الطرف الذي يقدم الـ 100% كاملة، يسلب الطرف الآخر ”حق“ السعي، يحرمه من متعة الاشتياق، ويحوله —دون قصد— إلى شخص ”زاهد“ لأن كل شيء متاح، ومضمون، ومنهمر كالمطر.

تذكرت نصيحة قديمة قرأتها في أحد كتب علم النفس الاجتماعي عن ”قاعدة الأقل اهتمامًا“ (Principle of Least Interest).

”الطرف الأقل استثمارًا في العلاقة هو الطرف الذي يمتلك السلطة الأكبر فيها“

يا لها من مفارقة حزينة! أن تُعاقب على صدقك، وأن يصبح حماسك هو ”القيد“ الذي يطرد الطرف الآخر بدلًا من أن يجذبه.

تمامًا كما كنت أخلط بين الحزن والقلق، كنت أخلط بين ”الحب“ وبين ”الرغبة في السيطرة على مسار العلاقة“ عبر الحماس الزائد. كنت أريد أن أضمن النتائج، أن أتأكد أننا سنظل بخير، فكنت ”أكبس“ على أنفاس اللحظة بحماسي.

حاولت تطبيق ”مدرستي الشخصية“ مرة أخرى. قررت أن أعتزل الحماس. سأنتظر 4 ساعات قبل الرد على الرسالة، لن أقترح أماكن للخروج، سأكون ”ثقيلًا“. لكنني فشلت؛ لأنني ببساطة كنت أمثل. كنت أتعامل مع المشاعر كأنها ”استراتيجية تسويقية“ لبراند عالمي.

اتضح لي في النهاية، وبعد جولات من التيه، أن لعنة الطرف الأكثر حماسًا ليست في الحماس نفسه، بل في ”التوقعات“ التي ننتظرها في المقابل. نحن لا نتحمس مجانًا، نحن نتحمس لنُحَب بنفس القدر، وعندما لا يحدث ذلك، نتحول إلى ضحايا لمرارة الانتظار.

أخبرني المعالج في جلسة متأخرة: ”المشكلة مش إنك متحمس، المشكلة إنك بتستمد قيمتك من رد فعل اللي قدامك على حماسك ده“.

الآن، أحاول أن أفهم أن العلاقة ليست سباقًا لمن يصل أولًا بقلبه، أحاول أن أترك مساحة للفراغ، أن أقبل بأن يكون الطرف الآخر ”أهدأ“ دون أن يعني ذلك أنه ”أقل حبًّا“.

أحاول ألا أكون ذلك الشخص الذي يسكب كل الماء في الزرعة مرة واحدة فيغرقها وهو يظن أنه يسقيها.

لقد كنت ”تايه“ في مشاعري، أظن أن الاندفاع هو النجاة، بينما النجاة كانت في ”الاتزان“.

حسنًا، أنا لست ”مدلوق“، أنا فقط كنت أحاول أن أحب بكل ما أوتيت من قوة في عالم يقدس البرود.

والآن، أتعلم كيف أمسك بزمام خيولي، لا خوفًا من الفقد، بل احترامًا لإيقاع الحياة.

أنا لسه متحمس.. بس المرة دي، بحاول أمشي ”بشويش“.

شارك