الثانية ظهرًا
٦٨٤ كلمة

في قاعة تتسع لمئة فرد، وقفت أتحدث عن كتاب ”ستيفن كوفي“ الأشهر ”العادات السبعة للناس الأكثر فاعلية“. عند جزء ما عرضت مشهدًا يتحدث أبطاله اللغة الإنجليزية دون وجود ترجمة عربية أسفل الحوار (Subtitles).

تتجول عيناي في الحاضرين؛ بدا على وجوههم أن الڤيديو غير مفهوم، فسألت:

– حد عنده تعليق على الڤيديو؟

بعد ثوانٍ وجدت أحدهم يرفع يده ناظرًا يمينًا ويسارًا كأنه متلبس بفعل مسيء وقال متلعثمًا:

بصراحة، لم أفهم الفيديو!

ابتلع ريقه وأحمر وجهه، نظرت للباقين فوجدت هزة رأس هادئة وابتسامة راضية تقول بوضوح: جميعنا لنا نفس هذا التعليق، جميعنا لم نفهم الفيديو!

فسألت: ما الذي لم يكن واضحًا في الفيديو؟

قال إنهم يتحدثون سريعًا جدًا. عدم وجود ترجمة جعل فهم الفيديو صعبًا.

– حاسس بإيه دلوقتي؟

= خايف ومكسوف!

– ليه؟

= خايف على منظري، هتقول إيه عليا؟ والناس هتشوفني إزاي؟ أنا الشخص الوحيد اللي مفهمش الڤيديو.

– هل ترى أي شجاعة في هذا الموقف؟

هز رأسه بالنفي

حينها وجهت كلامي للقاعة:

– كم شخصًا من الحاضرين لم يفهم الفيديو؟

رفع أكثر من نصف القاعة أيديهم معلنين نفس التعليق وذات الطلب.

فنظرت إليه قائلًا: ما رأيك؟

ابتسم مندهشًا إذ لم يكن يتوقع هذا التشابه فقال ممتنًا:

شكرًا، مش لوحدي اللي محتاج كورسات إنجليزي.

ضحك الجميع منه وحينها سألته: شايف الموقف إزاي دلوقتي؟

– كنت شجاع

كنت قلت قبل كدا: إنك خايف ومش شجاع.

= مكنتش شايف الصورة كاملة.

– بعد ما شفت الصورة، إيه هي الشجاعة دلوقتي في نظرك؟

= أنا الوحيد اللي اتكلمت!

– برغم إنك خايف.

= خايف جدًا.

– وهل ده ساعدك لوحدك؟

= شاور بيده قائلًا: ساعد كتير في القاعة.

”في الأصل، معنى كلمة شجاعة هو التحدث عما يدور في ذهن المرء من خلال إخبار ما في قلبه بالكامل“ هكذا عرفت الشجاعة الكاتبة الأمريكية والأستاذة الباحثة في جامعة هيوستن ”برينيه براون“ والتي قضت عقودًا في دراسة الخزي والشجاعة.

في كتابها ”نعمة عدم الكمال“ تقول براون (بتصرف):

البطولة هي أن تضع حياتك على المحك، أما الشجاعة العادية هي أن تضع انكشافك وضعفك (vulnerability) على المحك.

كل موقف شجاع ينطوي على خوف، فكما يلتف شجر اللبلاب حول الأعمدة هكذا يلتف الخوف حول كل موقف شجاع نتخذه..

وعندما نمارس شجاعة الانكشاف ونعلن عن أنفسنا بصدق، نتحرر ونفك القيد عن آخرين، فنغرد ونعطي للآخرين الحق في الغناء، فنقول برغم الخوف: ”أنا مفهمتش الڤيديو“.

فيرفع الباقون أيديهم معلنين حريتهم أيضًا: ”ونحن أيضًا لم نفهمه“. لن ندعوها شجاعة إن لم يكن هناك خوف

كانت المرة الخامسة التي نخرج فيها للتعارف. ذهبنا للسينما وكأي ذكر تقدمت كي أدفع ثمن التذكرتين وهي واقفة إلى جواري.
قال بائع التذاكر: ”180“ جنيهًا و”كل سنة وأنت طيب“. يعلم جميعنا معنى هذه الجملة الأخيرة، في حالتي هدف في مرمى خالٍ.

أخرجت محفظتي فوجدت ورقة بـ200 جنيه ومجموعة أوراق بـ180 جنيه. رفعت رأسي فوجدتها ترفع رأسها معي فقد كانت تشاركني محفظتي وعملاتي وأفكاري أيضًا.

نظرت إليّ فوضعتني داخل علامة استفهام كبيرة: ماذا ستفعل؟ أما عني بطل الموقف إما أن أعطيه ”180“ جنيهًا وأمرر عبء اللحظة، أو أعطيه ال“200″ جنيه واكتشفني واكتشفها في هذا السياق.

أفكار مثل زوبعة تحيطني في هذه الثواني المعدودات. فيقفز بعقلي سؤال: ماذا ستفعل لو كنت بمفردك؟ حينها اخترت الطريق الثاني رغم الألم.
أعطيته ال“200″ جنيه فأعطاني التذكرتين فقط وانشغل عمدًا مع آخرين حتى أمرر البقشيش بطيب خاطر.

فسألته: متهيألي نسيت الباقي؟
رد مستغربًا: معلش الزحمة وكده!
وأعطاني العشرين جنيهًا ضاحكًا؛ فقد سلمني إلى معركة أشد مع الفتاة.

تحركت معها وكل خطوة أخطوها تقفز معها فكرة بعقلي: كيف تراك الآن؟ لقد عرفت كم أنت بخيل! لن تخرج معك مجددًا
وأنا وسط هذا كله أتحاشى النظر إلى عينيها، فالتحامي مع أفكاري جعلني في عيني مذنبًا أستحق العقاب؛ لتقطع الصمت بسؤال:

إيه اللي انت عملته ده مع بياع التذاكر؟

أشعر أني عارٍ في سوق الموسكي وقت الذروة. تحرك الغضب بداخلي لكن ليس لأنها تجاوزت حدودها؛ بل وسيلة عقلي لمقاومة الخزي الذي أشعر به.
وبدلًا من أن أبدأ في تبرير موقفي سألتها وعيناي أرضًا:

ما رأيك في الذي حدث؟

وأنا في كل ذلك لم أنظر إلى وجهها ولم أنتبه إلى نبرة صوتها في غمرة شعوري.

قالت:

أنا بجد فخورة بيك.

رفعت عيني إليها، فوجدتها مبتسمة تقر عيناها بنظرات إعجاب ودهشة. هززت رأسي بابتسامة فقالت لي:

لو كنت مكانك مكنتش هعرف أعمل كدا.

لأول مرة أشعر أن لدي الحق أن أتصرف هكذا.

شجاعة الآخرين تجعلنا نرى أنفسنا -بما هي عليه- كفاية.

شارك