في نقاشٍ دار بيني وبين بعض الأصدقاء، سأل أحدهم: ”بتعمل ايه لما تحتاج تعيط؟“في الحقيقة لم أتخيل أن تكون هذه هي ”حياة الكبار“ ولا أسئلتهم التي كنت أطمح إليها وأنا صغير، أقسم بالله ”أنا اتبهدلت چامد في مصر دي“ بصوت الست روبي.
المهم، تنوّعت الإجابات بين من اختار مشاهدة فيلم حزين، أو من رجح الاستماع إلى موسيقى مؤثرة، أو تسجيلات تُحفّز المشاعر، على أمل أن يشعر المرء ببعض الارتياح بعدها.
وبما أنّني شخصٌ كئيب بطبعي، أثار هذا النقاش في داخلي سؤالًا آخر: ”احنا ليه أصلا بنحتاج نعيط؟“ أفهم ”البكاء“ بوصفه طريقةً تلقائية للتعبير عن المشاعر، لكن لماذا قد نشعر أننا نحتاجه؟
”هو فيه راجل بيعيط؟“ سألني مدرس الفصل في المدرسة الإعدادية بعد أن أمضيت نصف الحصة الأولى أبكي، كان مدير المدرسة قد صفعني على وجهي على مرأى من الجميع في منتصف أرض الطابور، لأنه رآني (أتحرك) بين الصفوف خلال تحية العلم. لو سألني لأجبته أن مشرف الإذاعة المدرسية قد أمرني بالنزول من غرفة الإذاعة والوقوف مع فصلي، ولا يمكن الانتقال بين المكانين دون أن أتحرك بين الصفوف.
لا أذكر كيف أجبت المدرس بالطبع، أذكر الصفعة، والقلم، والألم، والظلم، وسؤاله المستنكر، الذي سيطبع في ذاكرتي طول عمري.
لذا تعاملت -وأظن كل الرجال في منطقتنا المبجلة- مع البكاء باعتباره فعلاً مستنكراً، ومن منا يحتاج إلى الأفعال المستنكرة؟
سيتكرر السؤال كثيرًا في مواقف عديدة، كبيرة وصغيرة، حتى أن أحد أقاربي كرره -بصيغة مواسية هذه المرة- بعد أن حملت جثمان أمي كي أضعه في النعش!
عاملت البكاء بعد ذلك كفعل شخصي، مثله مثل العبادة، لا داعي أن يراه أحد، أبكي حين لا يراني الناس، أتحجج بـ”شيء ما دخل في عيني“ حين يضبطني أحدهم، ضعفت في أوقات محدودة أمام أشخاص معدودين، لكن هذا لم يدم، حين استخدم ضدي فيما بعد ”انت صعبت عليا عشان عيطت“.
لم يكن الهدف أبداً ”اني أصعب عليك والله“.
يسألني ابني عن سبب البكاء المستمر لأحد الأطفال حديثي الولادة من أبناء أصدقائنا، أجيبه أنه لا يستطيع الكلام، لديه ثلاثة أساليب فقط للتعبير: ضحك، بكاء، أو صمت.
أتوقف للحظة أمام إجابتي، البكاء وسيلة تعبيرية طبيعية، متى تحول إذًا إلى فعلٍ مشين؟
في دراسة قصيرة نشرتها جامعة كوين ماري البريطانية عام 2017 بعنوان ”Man Up“ الترجمة الحرفية لـ ”استرجل“، رجحت الباحثة ”جوزفين جوبينز“ أن جذور ربط البكاء وكتم المشاعر لدى الذكور قد بدأ في العصر الفيكتوري، مع حاجة الامبراطورية الاستعمارية وقتها للصلابة والعنف في صفوف الجيوش.
بمد الخط على استقامته، يمكن القول أن تحول بكاء الرجال إلى فعل مشين قد انتقل إلينا بفعل الاستعمار، وربما بفعل مقاومته أيضًا، إذ كيف يمكنك تفسير التحول من افتتاحية معلقة امرؤ القيس في الجاهلية بـ ”قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل“ إلى ”هو فيه راجل بيعيط؟“
أنت تحتاج إلى الصلابة وتبلد المشاعر من أجل أن تتمكن من القتال بفاعلية، وستتسلل هذه الصورة بشكل طبيعي إلى المجتمع بأسره، الذي يغذيها بدوره، حتى يصير البكاء من نواقض الرجولة.
لذا حين فتح النقاش بين أصدقائي، وجدتني أحاول تذكر بعض الأوقات التي كتمت فيها البكاء واستبدلته بنكتة أو بغضب، أو حتى بوجبة (حرشة).
الأمر المشترك بينها جميعًا، أنني كنت أبحث عن صورة مقبولة مجتمعيًا للتعبير عن مشاعري، لحظة لا أخجل منها بعد ذلك ولا تؤخذ ضدي أيضًا.
مع مزيدٍ من البحث، وجدت دراسة نشرتها جامعة هارڤارد، تقول أنّ البكاء يساعد الجسم على إفراز هرمونات مثل الإندورفين، وهو الهرمون المسؤول عن تخفيف الألم، ويُعدّ أحد هرمونات السعادة أيضًا. وهناك مجموعة أخرى من الهرمونات تدخل في هذه العملية، وجميعها – على نحوٍ مفارق – مرتبطة بشكل ما بالشعور بالراحة أو السعادة.
كان هذا الاكتشاف مفاجئًا بالنسبة لي، كانت جدتي تقول دائما أن ”العياط بيريح“، لكن لم أتخيّل أن الأمر يمتدّ إلى مستوى هرمونات السعادة.
عُرضت هذه الفكرة بطريقة لطيفة في فيلم Inside Out. صحيح أنهم لم يطرحوها بشكلٍ علمي مباشر، لكنهم أوضحوا أنّ جميع المشاعر مهمة، وأن الإنسان في حاجةٍ دائمة إليها.
حتى الأكل تحت تأثير التوتر (stress eating) هدفه – في النهاية – الوصول إلى شعور الشبع الذي يحفّز إفراز الإندورفين. كلها محاولات لخداع الجسد كي يمنحك تلك الأحاسيس الجميلة المؤقتة؛ شيء يشبه الإدمان، لكن دون أن نسمّيه كذلك علنًا…
وجدت الإجابة إذًا، نحن نشعر بالحاجة إلى البكاء لأننا نشعر بالحاجة إلى السعادة، ببساطة.
قلت لنفسي: طالما أن الأمر مفيد بتلك الصورة، دعني أبحث عن طرق استدعاء البكاء المكبوت وما شابه ذلك!
فوجدت العلماء يقولون – بكل بساطة – إنّ من يعاني نومًا غير منتظم، أو قلقًا، أو أعراض اكتئاب، قد يجد صعوبة في استدعاء البكاء أصلًا، وأن عليه تنظيم نومه أولًا وما إلى ذلك.
يلا، جت الحزينة تفرح!
وبعدين منا لو نظمت نومي هعيط ليه، هعيط ليه!