التحدّي الذي قرّرته لنفسي هذا الشهر هو أن أشارك قصائد عن الحب بصوتٍ عالٍ واضح واثق. الحب هو الموضوع الذي تجنبت مشاركة كتاباتي عنه لسنوات في أي تجمّعات بهدف القراءة أو الكتابة أو البحث، والتي قلّما أشارك بها أيضاً.
للدِقّة، حرصت أن أتجنبه تحديداً في دوائر يشارك بها الذكور اتقاءً لنظرة فاحصة أعرفها جيداً وأكرهها كثيراً.
نظرة ظلّت تطاردني رغم رفضي انتهاكها لعالمي الداخلي، وسطوتها الفارغة الخائبة منذ سنوات مراهقتي. نظرة تعكّر أفكاري، وتسرطن اختياري للكلمات وتحدّد كيف أقولها.
أبالغ في الحذر حتى يتلعثم الصوت أو يستحيل خروجه تماماً، ثم أجد نفسي في منتصف قصيدة أخرى مرتجلة ووليدة عنف اللحظة وثقلها. قصيدة عن أي شيء وكل شيء إلا الحب.
للأمانة تطاردني هذه النظرة في أيامٍ تخلو تماماً من الشعر والقول ورائحة معامل الكتابة، لكن وقعها دائماً أوقح في سياق مشاركة إنساني إبداعي يُفترَض أنه ”آمن“.
تعلّمت الدرس سريعاً في أولى سنوات دراستي الجامعية بعد مرتين غلبني فيهما الحماس للمبادرة بمشاركة ما ترجمته من أشعار.
حفّزت ردود الفعل المرتبكة آلياتي الدفاعية؛ فصدر قراري اللا واعي: قصائد الحب خطر.
قصائد الحب صمّاء تلوّح بلغة الإشارة في رأسي فقط، تعبّأ في مسودات لا نهائية قد تخرج أخيراً منها اثنتين أو ثلاث للنشر بعد سنوات إذا سمح المجال العام، قصائد الحب ليست للقراءة جهراً، ليست للمشاركة.
قصائد الحب تجذب اهتماماً لا أريده، وفضولاً بائساً لا يعرف كيف يراني كإنسان قبل فرصة مثالية لتقيؤ كلّ أشباح وأوهام وأحلام أحدهم المراهقة عن حبيبة متخيلة مستحيلة على قصيدتي التي لم يسمعها.
تُفسد قصائد الحب كل شيء.
يختنق المناخ فجأة باستعراضات طفولية لمخاوفنا من الرفض ومن القبول ومن كل ما بينهما في رسائل مبطّنة وإشارات هوجاء عثرة تسمّم تجربة المشاركة ككلّ. تُنزع عني الإنسانية وأتحوّل إلى بطلة أحادية الأبعاد في فيلم نوستالجي متوسط الجودة، فأحتمي بقصيدة لـسوزان سونتاغ أنجح بها دائماً في وضع حدٍ للمهازل من هذا النوع:
A writer, I think,
is someone
who pays attention
to the world.
That means
trying
to understand,
take in, connect with
what wickedness
human beings
are capable of,
and not be corrupted –
made cynical,
superficial –
by this understanding.
Literature can tell us
what the world
is like.
Literature can give standards
and pass on deep knowledge,
incarnated
in language,
in narrative.
Literature can train,
and exercise,
our ability to weep
for those
who are not us or ours.
Who would we be
if we could not sympathise
with those
Who are not us or ours?
Who would we be
if we could not forget
ourselves,
at least some of the time?
Who would we be
if we could not learn?
Become something
other than what we are?
يتجاوز الألم محوي في هذه اللحظة إلى إنهاك خلَّفه تاريخٌ طويل من المحاولة وقياس المخاطر. في طريقي إلى البيت بعد مغادرة موقع الحادث يمرّ أمامي شريط ذاكرتي عن تجارب التعارف في مختلف البلاد، وبمختلف اللغات، مع مختلف البشر، وبنسخٍ متعددة مني تحاول أن تبقى في اللعبة بطريقة ما.
جوهر التجربة واحد:
لم أُسمَع.
لم أُرَ.
تأسرني هذه القصيدة لـسونتاج بالتحديد من قصائدها القليلة لأنها تشخّص ”جرح الرؤية“ الذي عانيته وحاولت فهمه لسنوات بمهارة ودقة وصف لم أجدها عند أي متخصّص. تمكّنت أبياتها من ترجمة شعور العطب هذا أو أن شيء ما بداخلي يفسد في اللحظة التي أصعد بها إلى ”المسرح“ اختيارياً مخاطرةً أن يُسقِط عليَّ من يشاء كلَّ ما يشاء من وعيه ولا-وعيه.
أعطتني سونتاج درساً مهماً متأخراً في تقرير من أكون بوضوح، ومعرفته يقيناً بداخلي كي لا أضيع في عروض سيرك مقايضات الهوية والأدوار هذه التي استنزفتني لسنوات في كل علاقاتي. أن أتعاطف دون أن أتماهى.
أن ألاحظ كلّ شيء دون أن أحاول أن ألعب دور الإله المخلِّص أو المحايد تماماً.
الأسبوع الماضي اخترت تحدي قراءة قصائد حب كتبتها قبل تسع سنوات وتجاوزت مراحلها تحت بدرٍ وشيك الاكتمال، ليكون طقساً أعلن فيه التحرّر من سخافة اللعبة، وسأمي منها، وتمسّكي بالحب وشجاعة الإقدام عليه رغم كل شيء.
ارتعشت ساقيّ واهتز صوتي في البداية قليلاً، ثم سكنت الرعشة إلى ثباتٍ حالم، وانتظم الصوت واتضح وارتفع تدريجياً بأداءٍ واثق.
اختبرت خفةً لم أعرفها منذ عقدٍ كامل.
غادرتني هذه القصائد أخيراً تاركةً المتسع لشعرٍ جديد، ومشيت إلى البيت هذه المرّة في مسيرة احتفالية سأحكيها يوماً ما في قصيدة طويلة.