أصل إلى المستشفى، كل ركن لا يشبهني، لكني مضطرة. كل شعور جيد —الآن— ينخر في صدري نخرًا مدببًا، نخرًا مستمرًا. أحاول أن أذكره.. فتنفرط مسبحتي. أنا التي تؤمن بالإشارات، انفرطت سبحتي الغالية وأنا أنتظر مصيري بين يدي الطبيب.
جلست.. تتحجر أمعائي.. أشعر بثقلها في رأسي.. نهضت فتاة يبدو أنها مريضة أو مثقلة بآلام مريض يخصها.. قامت بلمّ ما انفرط من المسبحة.
سبحان الله.. الذي خلق جسدي الفاني
الحمد لله.. الذي أبقى هذا الجسد الفاني
والله أكبر.. على كل عجز وألم..
كل ما أفنيت عمري فيه من ذكر انفرط أمام عيني. أنتظر.. أضع رأسي المثقل بالألم على كتف زوجي، لم أكن أعلم أني من ستستند، أعطيت عمري وجسدي له ولأسرته، أبنائي وأبناؤه، أمه وأمي.. حان دوري لأتكئ.
أنا وحيدة.. انفرطت مسبحتي.
التفاؤل شعور عنيف يحطمني.
قبل ساعات كنت أتوضأ في بيتي.. يغالبني التفكير في تبعات المرض. أشتّت أفكاري بالوضوء، تلك الأفكار التي خرجت دفعةً واحدة حين قرأت التحاليل.
الماء في فمي.. أسألك ألا تحرمني من طعام الجنة.
الماء في أنفي.. أسألك ألا تحرمني من رائحة الجنة.
الماء على وجهي.. أسألك أن تبيّض وجهي يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه.
الماء فوق رأسي.. أسألك أن تُظلّني يوم لا ظل إلا ظلك.
أشرد، ويستمر ماء الصنبور في الاندفاع، أبدأ من جديد، يختلط الماء بدموعي. هل سأقف أمام هذا الحوض مرة أخرى؟
أتذكر مسبحتي.. هل لها جدوى الآن؟ أنا التي تلوذ إلى بابك في السراء والضراء.. ألوذ بك في أشد حالاتي فتنفرط مسبحتي؟!
الوقت يقتلني. الألم يعتصر أمعائي ورأسي وجسدي. تعطيني الفتاة المزيد من خرز المسبحة المنفرط، هذه المرة يهمّ الجالسون تباعًا لجمعها، رجل فامرأة، مريض فمريضة، الجميع هنا مثقل بألمه وألم من يخصه.
الألم يقتلني.. يطرق باب رأسي وقلبي وأمعائي.
ينفتح باب الطبيب أخيرًا، تنادي المساعدة اسمي.. ”هالة عبد الشافي“.
تتراجع وتعتذر، لقد طلب الطبيب أن يصلي أولًا.. حتى الطبيب يحتاج إلى طبيب..
أنتهز الفرصة وأفرغ أمعائي، أشعر براحة.. مؤقتة. أميل على كتف زوجي الذي يحاول أن يشتّت انتباهه بالمباراة على هاتفه.. أخبره أني الآن أفضل.. أشعر بألمه هو الآخر. ألمي مضاعف.
تنادي المساعدة ”هالة عبد الشافي“. دقائق قصيرة قاسية. دقائق بسنوات ضوئية من الألم. أقف على بابه لأنتظر مصيري، جحيم مستمر.. أم مؤقت؟!
يفتح الطبيب أوراقي.. كل ورقة تقع كالسيف على مسمعي وأمعائي.
لا أسمع شيئًا سوى انفراط سبحتي.. أكذّب صوتي الذي يوسوس إليّ: ”تلك علامة.. ستنفرطين مثل المسبحة.“
أسمع صوت المسبحة وهي تنفرط.. أرى حباتها مرة أخرى تتساقط ببطء شديد. تسقط واحدة فالأخرى.. تزيد سرعة ما أرى ويثقل صدري ببطئه.. كل حبة هي عين مصدومة تحدق بي.
يبتّ الطبيب في أمري. أخرج مسرعة من غرفته.. أسبق زوجي نحو الباب.. يحاول أن يلحق بي محاولًا طمأنتي.. أقول له: ”هي كده بانت.. بانت خلاص!“ ..
زوجي يجمع حبات المسبحة، يضعها في جيبه.
أسمعها تتصادم مع خطواته، تتقافز كلما أسرع خلفي.
لا ألتفت، وبيدٍ فارغة..
أتمّ الذكر.
– آلاء علي زكي.
أبريل 2026.