الثانية ظهرًا
٦٥٩ كلمة

بت أتوقع أني مهما استيقظت مبكرًا فسأتأخر عن طابور الصباح، كل مرة شيء جديد يؤكد لي أن من المعيب العمل على تغيير شيء أصيل من طبيعة الحياة وطبيعة نفسك. قد يكون ذلك بعمل كاسة شاي على غير المعتاد، أو بلمّ الأغراض المتناثرة التي سأحتاجها ولا أعرف أني سأحتاجها إلا في اللحظة التي أراها فيها.

القلم الأحمر، نظارتي الشمسية، حامل الطابشير البلاستيك، كريم اليدين، السماعات، الجرابات البنية الفاتحة، وإذا بالساعة تصبح ثمانية إلا ربع، إذن لن ألحق الطابور.

ستمتعض المديرة وسأتقبل تلك النظرة بصدر رحب وسأعد وعودًا لن أفي بها، ولكن بصراحة التمشية تحت الشمس الآتية من بين البيوت المتبقية هي طقس لن ألحقه لو ذهبت في الموعد الصحيح، تلك التمشية هي عزائي الجميل عن كل شيء سقط منهارًا.

أقف على باب العمارة، أضع الايربودز تحت شالتي وأقف دقائق صغيرة أبحث عن صوت أسمعه، فيروز تحتاج وقتًا رائقًا، لن أجحف بحق تسجيلاتها النادرة التي تتصدر قائمة الساوند كلاود وأسمعها..

هلأ، هل أعيد سماع ”فكروني“ بعدما سمعتها الليلة الماضية وكأن الوقت موصول لم يتوقف؟ أحب صوت عبد الله الماجد في سورة إبراهيم ولكن خلايا مخي لم تتماسك بعد.. أضع قائمة جاز إيراني من تنزيلات اليوتيوب وأشد الهمة.

غزة الآن صباحًا، تختلف عن خيالي عندما كنت طفلة أراها هائلة وخاطفة، وتختلف عما قبل الحرب أراها جميلة في عيونها حزن، وتختلف عليّ بعد الحرب فترتبك الصفات فلا أراها شيئًا واضحًا.

طريقي قصير يستغرق ثلاث عشرة دقيقة من ملعب فلسطين حتى مستشفى أصدقاء المريض، تتخلله الخيام كالصوف المونس الذي تتداخل فيه الألوان بشكل لا تعرف له بداية أو نهاية.

يظهر الدمار في صور الإسمنت الرمادي الكثير أو القليل للعمارات والمنشآت لعيني بشكل يتناوب بين الفظيع والأفظع، أشربه مع الأيام ويصير جزءًا عاديًّا من الصورة فلا أنتبه له قدر انتباهي بالچاز الإيراني المبهر الذي واتت الصدف أن أتعرف عليه.

أقف لحظة.. أتذكر بركة المجاري على باب المدرسة التي تحولت لمركز إيواء فأنقبض.

لم أرد أبدًا أن أدرِّس في خيمة، خصوصًا اللغة العربية. فكرت في الانتباه لجماليات اللغة التي أعتمدها كهدف أساسي عليَّ أن أحققه وعلى الطلاب أن يشعروا به. هدف حزين، صحيح. ولأنه لم يتبق سوى الجنون ألقيت بنفسي في بوتقة التعليم ذات الطبيعة القاتلة، لم يعد يجدي الانتظار ليتحسن الوضع أو تقل الخيام.

سردت في عقلي جملًا من نوعية ”من واجب جيلنا أن يأخذ بيد الجيل الأصغر المسكين“، ”لا فائدة من الهروب والاختباء خلف الماضي“، ”إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها“. وأنا لا أدري إن كان ما بيدي يصنف على أنه فسيلة أصلًا، وإن تخليت عن الهدف الحزين هل سأبدع هدفًا آخر أكثر أصالة وواقعية منه؟

”اللغة، ما معنى اللغة، ولماذا اللغة؟“

عندما وصلت هنا علمت أن دماغي سوحتني باكرًا هذا اليوم.

قبل نزولي للخيام كانت الأسئلة الكبيرة فعلًا كبيرة تأكل يومي وتبدو مثل حيطة سد لا أجد ما أفعله معها..

هل يجدي تعليم ما تعلمته لجيل عرف معنى القهر على صغر؟

هل كان مُجديًا معي أصلًا؟

هل سأنجح في تهدئة جهازي العصبي خلال هذا الإطار العصي على الوصف؟

ولم يغادرني سؤال: لو كان هذا اليوم الأخير وهذا الجيل الأخير ماذا يجب أن يعرف؟

تنتظر أنت الآن إجابتي، ولكن عندما نزلت فعلًا ألهتني التجربة عن التفكير في تلك الأسئلة، وكانت الحياة أبسط مما أتخيل، وإجابتي هي نعم ولا.

نعم لم تعد الأسئلة تأكل يومي، ولا لأنها لم تغادر فكري وباتت في نظري جزءًا من غرابة الحياة وفرادتها وجمالها وقسوتها.

طريقي قصير، ولكن أتعمد تهدئة الخطو فيه مهما كنت متأخرة، إرضاءً لإحساس في داخلي أني سأغادر البلد يومًا وسأبكي كالأطفال شوقًا لمثل هذه التمشية الصباحية.

ولا أدري أي دماغ هذا الذي يستشرف الألم ويتصرف على أنه حقيقي، فإن ردعت نفسي عن توقع الآلام تذكرت الأيام والليالي التي كانت الرغبة الأهم لدي هي فقط رؤية البلد والمشي في البلد والضحك في البلد – والإنسان يظل طماعًا صراحة – والعيش في البلد بعد حتى مع عذاب النزوح.

تلوح لذهني الصورة التي سأراها بعد دقائق:

الطلاب يبحثون عن معلمة الحصة الأولى، والأذنة يبحثون عمن يستلم كشف الحضور والسبورة المتنقلة، والمديرة تفكر في إحضار معلمة أكثر إخلاصًا للدوام وتصالحًا مع الواقع والحياة. أخجل من الوجوه والأيدي الصغيرة، أحث الخطى على أنغام تلك القائمة.. صحيح ليه الإيرانيين هالقد فنانين؟

شارك