الثانية ظهرًا
٧٨٧ كلمة

عزيزي مترو الأنفاق..

رفيق الدرب، وإن جاز التعبير، فأنت هو الدرب.

يقال إنك الحفيد الشرعي للترامواي، أو الترام؛ تلك القطارات التي كانت تسير في شوارع القاهرة قديمًا.

لا أتذكر المرة الأولى التي استقللت فيها مترو الأنفاق، لكنني أتذكر، وأنا في العقد الأول من عمري، حين كان أبي يصطحبني لزيارة عمي القاطن في منطقة الظاهر، وكانت وجهتنا محطة ”حسني مبارك“ سابقًا، و”الشهداء“ حاليًا، نسبةً إلى شهداء ثورة 25 يناير.

كانت سلالمك الكهربائية تثير دهشتي في طفولتي، بينما غدت الآن ملاذي كشابٍ يئن من آلام أسفل الظهر. 😅

غير أن علاقتي بك لم تكن ودودةً على الدوام؛ فقد مرّت سنواتٌ كنت أهبط إليك فيها على مضض، وأصعد منك وفي صدري شيءٌ من الاختناق. لم أكن أرى فيك آنذاك إلا الزحام، وضيق العربات، وحرارة الأجساد التي تفوح منها رائحة العرق الكريهة، وعجلة الناس التي لا تترك للروح متّسعًا.

لكنّ الحياة، كما تفعل دائمًا، أخذتني إليك مرةً بعد أخرى، حتى صار ما كنت أنفر منه جزءًا من يومي، ثم جزءًا من فهمي لهذه المدينة.

كبرت والتحقت بالجامعة، وأصبحتَ أنت اختصاري الخاص للقاهرة؛ زحامها، وعجلتها، وتعبها، ودفئها الخفي أيضًا.

في عرباتك رأيت وجوهًا لا أعرف أسماءها، لكنني أعرف ملامحها، وأدركت أن المدن لا تُقاس بعدد أبنيتها، ولا باتساع طرقها، ولا بكثرة جسورها، بل بما تحمله يوميًا من بشرٍ يواصلون الحياة رغم ما يثقل أرواحهم.

هنا طالبٌ يطارد مستقبلًا لا يعرف ملامحه تمامًا، وهناك موظفٌ يسلّم يومه للضرورة، وشابٌّ تعلّم، مثل كثيرين، أن الرغبات المؤجلة جزء من كلفة العيش في هذه المدينة، وأم تضم صغيرها كأنها تحاول أن تعبر به العالم كله، لا مجرد عدة محطات.

وفي بعض الأحيان، كان يفوح من عرباتك ما هو أكثر من رائحة العرق؛ كان يفوح منها ضيقُ المدينة نفسها، وحنقُ أهلها، وكراهيةٌ صنعتها القسوة قبل أن تصنعها القلوب.

وأنت تمضي بنا تحت الأرض، كنت أفكر كثيرًا في هذا المعنى الغريب:

كيف يمكن لكل هؤلاء الغرباء أن يجتمعوا في عربةٍ واحدة، يحمل كلٌّ منهم عالمًا كاملًا في صدره، ثم يفترقون عند أول منعطف، كأن الحياة لا تفعل بنا شيئًا سوى أنها تجمعنا قليلًا وتفرّقنا طويلًا.

وفيك أدركت أيضًا أن تلك المدينة لا تتجلّى في زحامها وحده، بل في هشاشتها كذلك. فكم مرّت بك وجوهٌ بدت عاديةً تمامًا، ثم تبيّن أن في داخلها من الضيق ما يفوق قدرتها على الاحتمال. عندها بدا لي أن مترو الأنفاق لا يحمل الناس من مكانٍ إلى آخر فحسب، بل يمرّ كل يوم تحت أثقالهم الخفية؛ تحت قلقهم، ووحدتهم، وآلامهم، وانكساراتهم التي لا تُرى.

ومع الوقت لم تعد محطاتك مجرد نقاط وصول، بل صارت علاماتٍ في عمري؛ كل محطةٍ تُذكّرني بشخص، أو بيومٍ ما، أو بنسخةٍ قديمةٍ مني.

فصرت أتأمل أسماء المحطات، وأتوقف أمام الرسوم الجدارية التي أبدعها الدكتور سامي رافع في الخط الثاني من المترو، كأن الرجل لم يكن يزيّن الجدران فحسب، بل كان يردّ إلى كل محطةٍ ذاكرتها، ويمنحها لسانًا تتكلم به.

في محطة الخلفاوي، التي سُمّيت نسبةً إلى الشيخ محمد الخلفاوي، لا تبدو الألوان مجرد زينة، بل أثرًا من تاريخٍ قديمٍ مرّ من هنا؛ تاريخ منطقةٍ شهدت قيام أول كليةٍ للفنون الجميلة. فكأن لوحات المحطة، وقد جاءت على هيئة ”بالتة ألوان“ تتفجر منها الأصباغ في تناغم، لا تحكي عن الفن فقط، بل عن مكانٍ تعلّم فيه الجمال كيف يصير معرفة.

وفي محطة سانت تريز، نسبةً إلى القديسة الكاثوليكية سانت تريزا، تجاوز الاسم حدود الدلالة المكانية إلى معنى أوسع وأدفأ؛ فالمحطة التي حملت اسم الكنيسة القائمة في المنطقة بدت في رسومها كأنها تهمس بفكرة المدينة التي لا تقوم إلا بتعانق قلوب أهلها. قلبُ المسلم وقلبُ المسيحي يتجاوران، لا بوصفهما زخرفةً عابرة، بل بوصفهما صورةً تجسّد علاقة المحبة بينهما، ولا سيما في حي شبرا.

وفي محطة مسرة، يصبح الاسم نفسه بابًا إلى سيرةٍ إنسانيةٍ لا يعرفها كثيرون؛ اسمُ طبيبٍ ذاع صيته حتى صار اسمًا للمكان. لذلك جاءت العناصر المرسومة، الأذن والعين والشفاه، وكأنها ليست أعضاءً متفرقة، بل شواهد على رغبةٍ في إنقاذ الاسم من النسيان، وحفظ الحكاية من الذوبان في الزحام.

وبعد أن اشتدّ عودي — كما يقول أبي — وتخرّجت من الجامعة، وامتهنت المحاماة، أدركت إلى أيِّ طبقةٍ اجتماعيةٍ أنتمي؛ أنتمي إلى تلك الطبقة التي لا تملك من عبور المدينة إلا أن تنزل إليها من تحت، وأن تعاشر زحامها عن قرب، وأن تعرف الناس لا من وراء زجاجٍ عازل، بل من نبضهم اليومي وتعبهم الصامت.

ولعلّك لهذا كلّه لم تعد عندي مجرد وسيلةٍ للنقل، ولا مجرد قطارٍ يعبر المدينة من تحتها، بل صرتَ وجهًا آخر لها؛ وجهًا أقلّ زينةً وأكثر صدقًا.

ففيك رأيت القاهرة كما هي: متعبة، وعجلى، وقاسية أحيانًا، لكنها لا تكفّ عن المضيّ.

ورأيت الناس كما هم: غرباء في الظاهر، متشابهين في الوجع، ومتقاربين — على غير علمٍ منهم — في رجاء الوصول.

لذا، كلما نزلت إلى محطاتك، لا أشعر أنني أبدأ رحلةً جديدة، بل كأنني أعود إلى طبقةٍ أعمق من المدينة، وإلى طبقةٍ أصدق من نفسي.

عزيزي مترو الأنفاق… شكرًا لأنك لم تكن الطريق إلى الأماكن فحسب، بل الطريق إلى فهم الناس، وفهم القاهرة، وفهمي أنا أيضًا.

شارك