الساعة الثامنة والنصف صباحًا، السيارات مصطفّة في خطوط متوازية وأخرى متعرّجة في رمسيس قبل مدخل كوبري أكتوبر، ورائحة عوادم السيارات تملأ الهواء فتقتحم جيوبك الأنفية عنوة.
يخال لك أن ربع سكان القاهرة يعملون في الجيزة ويقضون حياتهم على كوبري أكتوبر ذهابًا وإيابًا. الجميع ”يكلكس“ في اللحظة نفسها، فالناس جميعًا على عجلة من أمرهم يريدون الوصول إلى أماكن أعمالهم بأقصى سرعة، لكن ذلك مستحيل، لأن كالعادة، كوبري أكتوبر واقف.
لكن ما أراه أنا مختلف قليلًا. السماء صافية، وهواء الشتاء يداعب وجهي برقة، أشعر بخفة غريبة وأنا أنساب بين زحمة رمسيس. شعري يتطاير، وأغاني في الهيدفونز ”تشعبولي العملية“ في الصباح لتعطي للحياة إيقاعًا محتملاً.
وقد تتساءل: ما سرّ هذا النشوة الصباحية غير المبررة؟
الجواب بسيط: لأنني أركب موتوسيكل.
الحقيقة أن الأمر ليس ورديًا كما يبدو. فالنظرات التي أتلقاها من المارة تحمل كثيرًا من الاستنكار، وكأن ركوب امرأة خلف رجل على دراجة نارية فعلٌ فاضح.
حتى السائقون أحيانًا يلغون الرحلة حين يعرفون أن الراكبة فتاة. فحين أطلب الرحلة عبر التطبيق، أضطر لإرسال رسالة للسائق أقول فيها: ”أنا اللي هركب مش هبعت حاجة“ فلا يُلغِي الرحلة كما فعل كثيرون من قبل لما يشوفوني، فيقولون: ”آسف، افتكرتك هتبعتِي حاجة.“
مع الوقت، تعلّمت كيف أجعل التجربة آمنة قدر الإمكان: أن أجلس مستقيمة، أن أوازن نفسي، أن أُبقي حقيبتي بيني وبينه، أن أرتدي خوذة، أجعل مشط قدمي مائلًا إلى الأسفل ولا يكون قريبًا من الشكمان، وأخبر السائق ألا يتجاوز السرعة ٨٠ كم.
وبرأيي، ركوبك خلف السائق أفضل من قيادتك وحدك.
أولًا، لأن الناس سيفترضون أنك مرتبطة به، وهو ما يمنحك بعض ”الامتيازات الذكورية“ في الشارع.
أما إذا قدتِ الدراجة بنفسك، فستتعرضين غالبًا لتحرشاتٍ ومضايقاتٍ أخطر، كما حدث في حوادث كثيرة لفتيات دفعتهن سيارات على الطريق لمجرد أنهن تجاوزن رجالًا في السرعة!
ثانيًا، وهو الأهم بالنسبة لي، أن السائق لا يمكنه التحرش بك، ايديه الاتنين مشغولين، وأنتِ من تكونين في موضع القوة. على عكس السيارة، حيث يمكن للسائق أن يمد يده، أو يغيّر الطريق، أو يغلق الأبواب، أو يفعل ما يشاء دون أن يكون لديك مجال للهروب.
مرة، ركبت سيارة وحدث أن رشّ السائق شيئًا في منتصف الرحلة. لم أعرف ما هو، لكنني طلبت منه التوقف فورًا. نزلت على الكوبري وأنا أرتجف. لم يحدث لي شيء، لكن الخوف نفسه كان كافيًا.
منذ تلك اللحظة، أدركت أن خوفي الحقيقي لم يكن من الطريق، بل من الرجل الذي يقوده. فالمسألة ليست في التعليمات ولا في المهارة، إنها في معنى الأمان ذاته.
أي امرأة في مصر تلعب لعبة الاحتمالات منذ اللحظة التي تقرر فيها مغادرة منزلها: هل اللبس دا تمام؟ هل وسيلة المواصلات هذه موثوقة؟ أي مستوى من القلق يمكنني تحمّله اليوم؟
هل أقود السيارة بنفسي وأواجه فوضى السائقين وتعليقاتهم ”يخربيت اللي علم الستات السواقة“، أم أستسلم لراحة المقعد الخلفي في سيارة أوبر وأتعايش مع قلقٍ من نوع آخر؟
كلها لعبة احتمالات.
وأنا، كمن قررت ألا تهدر أعصابها على الزحام، أختار الاحتمال الأقل ضررًا.
ولأنني لا أعيش في مدينة فاضلة خالية من التكدس، فركوب الموتوسيكل هو أفضل احتمال لي شخصيًا. المفاضلة هنا بين نوعين من الخطر.
يقول البعض إن ركوب الموتوسيكل هو موت على شفا حفرة، وإن حوادثه كثيرة.
نعم، هو خطر.
لكن أي امرأة في هذه المدينة تعرف أن الأمان الكامل وهم. نحن لا نختار بين الأمان والخطر، بل بين خطرٍ يمكننا رؤيته، وآخر يتخفّى في هيئة رجلٍ مهذب على الطريق.
الخطر واضح: حفرة، سيارة، انزلاق. أما في السيارة المغلقة، فالخطر صامت: يبتسم، يغيّر الطريق، يمدّ يده، يغلق الأبواب، ولا أحد يراك.
ليس حبي للموتوسيكل عشقًا للمغامرة، بل انحيازٌ لخطرٍ أستطيع مواجهته.
قد يكون الطريق دبًّا غاضبًا، لكنه دبّ يمكنني أن أراه، بينما الخطر الآخر يبتسم لي من المقعد الأمامي.