المقابلة دي مع الدكتور النفسي كانت مختلفة.. أنا خلاص بقيت خبرة. بعد ٣ دكاترة نفسيين في آخر خمس سنين بقيت عارفة الأسئلة والإجابات النموذجية. الدكتورة أصلًا شايفة في الملف adjustment disorder, anxiety disorder, depression فـ يعني الست أكيد مكوِّنة فكرة.
هي بعد كام سؤال عن روتيني اليومي وأفكاري خلال الروتين ده قالتلي إنه غالبًا اكتئاب. استغربت جدًا.
-تاني؟! ده أنا لسه مبطلة الدوا، مكملتش ٦ شهور! جرا إيه؟ عاملة اشتراك نص سنوي في الاكتئاب!
(الدكتورة مضحكتش على النكتة).
سألتها: ليه بقى عندي اكتئاب؟ مع إن على الورق كل شيء زي الفل؟
يكونش شيء عارض علشان سنوية ماما كانت من كام يوم؟ أو يمكن حوار الحمل اللي مكملش من كام شهر و الإجهاض هو السبب؟ أو يمكن لأن سنوية بابا كمان شهر ونص و بيجيلي لسه أفكار وخيالات كتير عن فترة مرضه الأخيرة؟
-الدكتورة: أحيانًا بتبقى جينات. علاقتك بمامتك كانت عاملة إزاي؟
(السؤال الفخ! شوف أقولها إيه تقولّي إيه! كده كده علاقتك بأمك هتطلع هي السبب.
أمك كانت ست ممتازة وواخدة بالها من كل تفاصيلك وبتعمل الأكل في البيت و البيت دايمًا نضيف وإنت دايمًا شاطر..
بسسس. متكملش.. أمك هي السبب إنك عندك عقدة الكمال ومابترضاش عن نفسك بسهولة لأنك عاوز كل حاجة كاملة.
أما لو أمك مهملة؟ يبقى إنت محتاج اهتمام وبتسعى لجلب اهتمام الناس بالشكوى! أو ادعاء المرض! أو حتى لو نجحت يبقى بتنجح أوي علشان تجذب اهتمام الناس لتعويض الاهتمام اللي ماخدتوش وإنت صغير. كده كده.. أمك هي السبب.)
فأنا بعد ما خلفت، المبدأ اللي بربي بيه بنتي هو إني مش عاوزة أبقى أول موضوع بينها وبين الدكتور النفسي بتاعها.. ممكن أبقى ثاني أو ثالث موضوع بس مش الأول!
– الحمد لله، كانت كويسة!
= احكيلي أكتر.
– كانت ست طيبة جدًا، علاقاتها محدودة جدًا، عمرها ما أذت حد. وأنا في ابتدائي كانت هي في نص الثلاثينات، و كانت بتقوم الليل وتصوم اتنين وخميس و١٣، ١٤، ١٥ من الشهر العربي، وليها ورد صباحي وورد مسائي من الأذكار والأدعية والقرآن.
بتسهر جنبنا واحنا بنذاكر لحد ما خلصنا جامعة، ووقت امتحاناتنا طول ما احنا في اللجنة بتضاعف الورد بتاعها. طول ما إحنا في البيت ولحد بعد الجامعة والشغل ماكانش مطلوب مننا غير التفوق بس، في الدراسة وحتى في الشغل.
= دي صفاتها الشخصية، لكن بسألك عن علاقتك بيها.
– (دكتورة مركزة) أنا نادرًا ما وقفت في وش أمي واتخانقت معاها، وكل مرة حصل كده كنت برجع أراضيها وأصالحها، يعني مشاكلي معاها ماكانتش فيها أي مواجهة، لكن كان إحساسها إني بقيت أقرب لبابا من وقت ثانوية عامة كده، وإني مش عارفة أديها مشاعر بالطريقة اللي هي محتاجاها لما كبرت.
= إيه اللي كان بيسبب المرات دي من الخلاف؟
– أنا عارفة إنتِ عاوزة إيه..
باختصار: أنا كنت شايفة أمي ست سريعة الغضب، وردات فعلها مبالغ فيها عن الأحداث وصعبة الإرضاء، بس هي في الحقيقة كانت بنت متربية في بيئة عائلية قاسية ومغلقة ولم تُجهِّزها للعالم.
فجأة سافرت، بعدت عن أهلها وبقت بين أربع حيطان لوحدها في الصعيد، وزوج بيشتغل شغلانتين أو بيقعد على القهوة بالليل، وتفضل هي لوحدها مع العيال. مفيش طريقة تتواصل بيها مع أهلها حتى غير بعد كام سنة لما دخل التليفون. ست كانت حاسة بالوحدة والضغط.
ست لقيت مذكراتها القديمة وأنا في ثانوي، لقيتها كانت بتكتب شعر وتقرأ روايات رومانسية وتحلم تخرج من بيت أهلها اللي فيه 6 إخوة غيرها لأمان واحتواء وعوض. واللي الحياة اديتهولها ماكانش على قد أحلامها. كانت حياة عادية، أفضل بالتأكيد من حياة أهلها، بس معرفتش تتقبل صدمات الحياة وإن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
أدركت كل ده بعد ما اتجوزت، خلفت وسافرت. أدركت إنها كانت ست شديدة الطموح وقليلة الحيلة. هي كانت فاكرة إن أحلامها هتبقى هي أحلام شريك حياتها، للأسف ده محصلش.
هي كانت عاوزة تأمِّن المستقبل بعقار أو فلوس تضمن مستقبل الأولاد، وده حقها! وعندها زوج بيستثمر في الموسوعة الكاملة لسليم حسن عن مصر الفرعونية، و كورسات كمبيوتر لعياله في وقت ولا بيت فيه كمبيوتر، و بيض نعام علشان العيال يقولوا: كلنا بيض نعام ولحم نعام في بيت أبونا، و حكمة مشهورة ليه: اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.
هل حد فيهم غلطان؟ لا!
بس هي دي الحياة.
= طيب أنا شايفة إننا نرجع لنفس الدوا القديم، بما إنه كان بيخليكي يبقى عندك قدرة على الاستمتاع بالحياة وتحمل الحياة اليوميةوبيخفف من الأفكار المزعجة.. مش عاوزين نجرب دوا جديد ونكتشف أعراضه الجانبية.
– شكرًا! هفكر في حوار الدوا وأرجعلك!
= تحبي تحجزي الجلسة اللي جاية دلوقتي؟
– لا، هحجزها بعدين لما آخد قراراتي.