⁠الخامسة عصرًا
٨٧٢ كلمة

تنظر إليَّ الطبيبة بتمعّن وهي تقرأ البريد الإلكتروني الذي أطلب فيه خطاب تحويل إلى عيادة الطب النفسي.

”You think you are depressed?“

أومئ بالموافقة، تنظر إليَّ مرة أخرى وتقول في نبرة تأكيدية وهي تطبع خطاب التحويل:

”I don’t think you are depressed, I think you are dehydrated.“

ضحكت بصوت عالٍ ظانًّا أنها تمزح، نظرت إليَّ من خلف نظاراتها السميكة متسائلةً:

”you drink enough water?“

تحوَّل ضحكي إلى إحباط مباشر؛ ”الطبيبة“ لا تظن أن ”النفس“ تحتاج إلى علاج، لذا قفزت فورًا للبحث عن سبب ماديٍّ تعرفه.

استلمت الخطاب، وحددت موعد جلستي الأولى مع الطبيب النفسي.

لم يكن الأمر سهلًا عليَّ في البداية، لم ألجأ في حياتي إلى طبيب نفسي قبل تلك اللحظة، حالت أشياء كثيرة بيني وبين الاعتراف بحاجتي إلى ذلك التدخل.

لم يكن الطب النفسي ممارسةً شائعة أصلًا وقت نشأتي، على العكس، ارتبطت سمعته بوصف ”المجانين“ نسبةً إلى ”سرايا المجانين“، الاسم السينمائي لـ”السرايا الصفرا“ في العباسية، أو وصف ”الخانكة“ للإشارة إلى المساكين ”اللي مخهم خف“ الذين نراهم في الشوارع في حال يُرثى لها.

خلق هذا حاجزًا بين الطب النفسي وبين فهم العامة ”مثلي“ لاحتمالية احتياجهم له.

رسّخت أدبياتنا الشعبية هذا الشعور، فلم يظهر الطبيب النفسي في أي عمل أدبي أو فني إلا بصورة المعالج لشخص شديد الاعتلال والاختلال:

قاتل متسلسل، أو شخصية تعاني من اضطراب سلوكي عنيف، أو مدمن وسارق ومقامر آكل لأموال اليتامى.

وأنا ومن حولي لم نكن أبدًا معتلّين بهذا القدر الذي نراه.

حتى بعد أن كبرت وقرأت وعرفت الفرق بين الاضطراب الشديد الذي يتطلب علاجًا بالمستشفى لأيام أو شهور، وبين ذلك المصاحب لأعبائنا اليومية وتجاربنا الحياتية، ظلَّ هذا الحاجز قائمًا يمنعني من اتخاذ هذه الخطوة.

بعض آيات القرآن ونَذْر من الأذكار والأدعية قد يوفي بالغرض.. عليَّ أن أعود للالتزام بالصلاة.. وغيرها من ”المسكّنات“ التي توارثتها.

في جلستي الأولى، أخبرني الطبيب أننا لسنا بصدد ”العلاج“ بالمعنى المعروف، لا يوجد ”شفاء“ تام من أعباء الحياة -ياريتها كانت بالبساطة دي- وإنما دور المعالج النفسي ينحصر -في أوقات كثيرة- في مساعدتنا على فهم أنفسنا، وفهم السياقات التي تحيط بقراراتنا ومشاعرنا.

يسألني الطبيب عن الدافع وراء طلبي المساعدة، أخبره بالمشاكل الظاهرة في حياتي:

أنني حزين طيلة الوقت، لا أستطيع الشعور بالسعادة.. يسألني:

”حزين ولا قلقان؟“

لا أستطيع الإجابة، لم أكن أعرف الفرق أصلًا، لا أذكر أنني وصفت شعوري قبلًا بـ”القلق“. حتى أشدَّ لحظاتي ظلمةً وصفتها إما بالحزن أو بأنني ”مكتئب بس شوية“. يخبرني أن الحزن والقلق والاكتئاب ليسوا شعورًا واحدًا ولا يمكن دمجهم في شعور واحد. ينصحني بالتسجيل في جلسات العلاج المعرفي السلوكي CBT، ويصف لي دواءً يعمل كـ Mood Stabiliser لتحفيز هرمون السيروتونين في المخ.

كعادتي المحبّة للمعرفة العشوائية والتجربة، استشرت جوجل صديقَ الفلاح في عصر ما قبل التشات جي بي تي والبيربليكستي عن ماهية السيروتونين، تأتيني الإجابة أنه ”هرمون السعادة“، لا أكمل القراءة وأصنع الرابط العجيب: ”زيه زي الدوبامين يعني؟“

إذا كان علاج القلق والاكتئاب هو ”السعادة“، فقد كثّفت جهودي للحصول على السعادة والدوبامين بشتى الطرق: أتناول جرعتي من الدواء، وأشاهد كرة القدم، لا مانع من مسرحيات قديمة أو حتى عبثيات حديثة، سأتوقف عن الجدال، لن أخوض أي نقاش أصلًا، ”حلو الطاجن ده وريني بيقول ايه“، وهكذا.

سار كل شيء بشكل جيد، أو هكذا كنت أتخيّل، حتى اصطدمت خيالاتي بجدار الواقع، ومع أول عبء حقيقي تفتّت كل شيء، وعدت لما قبل الصفر بكثير. اتضح في النهاية أن لا شيء كان يسير بشكل جيد، لا شيء كان يسير أصلًا، كان صرحًا من خيال فهوى. حرفيًّا.

نتيجةً للإحباط، أوقفت العلاج رغم قناعتي بأهميته، لكن ما فائدة العلاج لداء يتجدد؟ لا يمكن حل المشكلة إلا بالوصول إلى جذورها، وكنت أرى أن جذر مشكلتي هو ”الأعباء“ أو ”الآخرون“. كيف يمكن علاج ما لا أملك السيطرة عليه؟ إذا اختفى السبب اختفت المعاناة؛ والسبب دائمًا في الخارج، في الآخرين، في الظروف.

فلا بأس من الاستسلام لحين زوال السبب ”اللي هو أكيد من الآخرين طبعاً“.

بعض الدراسات تشير إلى أن واحدًا من كل خمسة أفراد يتوقف عن العلاج النفسي في مراحله الأولى. وفي دراسة نُشرت على موقع جامعة كامبريدج عن العوائق التي تواجه العلاج النفسي، وجد الباحثون أن السبب الأكثر شيوعًا لترك العلاج هو الإحساس بأنه غير فعّال، أو الإحساس بالخجل والوصمة.

قررت اتّباع مدرستي الشخصية، لا أحد يفهمني مثلي؛ قرأت كثيرًا، وراقبت نفسي كثيرًا، وهذّبتها، وأقنعتها بأنني فهمتها عن ظهر قلب -هو يعني فرويد أحسن مني في ايه- وبعد سنين من المراقبة والقراءات الكثيرة في السيكولوجي والاكتئاب والوسواس القهري، وبعد أن ظننت -تاني- أنني عرفت الإجابة، عدت مرة أخرى إلى حالة التيه.

قلِقٌ طيلة الوقت، لا أستطيع الشعور بالسعادة، لا أنام، لا أحب الزحام، أكره تغيير الخطط.. وغيرها.

أخبرني طبيب التغذية مؤخرًا، بعد محاولات عديدة لاتباع أنظمة مختلفة، أن مشكلة جهازي الهضمي مرتبطة بالتوتر، وأنه لن يكون هناك أي تحسّن طالما أن مستويات التوتر لا تقلّ.

تعلّمت بالطريقة الصعبة أن أخطاء الماضي ستستمر بالتكرار طالما أحاول علاجها بالطريقة ذاتها التي لم تُفلح قبلًا، وأنني لو فهمت نفسي حقًا فلا يجب أن أندم بقدر ما يجب أن أتعلّم، وأن أغفر للآخرين قبل أن أسامح نفسي. وألا أرى العلاج النفسي وصمةً أو ”فضيحة“، لا حرج في أن تكشف أستار نفسك أمام طبيب متخصص، هذا ليس تعدّيًا على مساحتك الخاصة.

الآن أنا أمنح العلاج النفسي فرصة أخرى، وأحاول ألا أكون مثل ذلك الطفل الصغير الجميل الذي تاه عن أهله، وحين حاول أحدهم مساعدته وقع في حيرة بين مجاراة الغريب الذي لا يعرفه، أو تذكّر تحذير أهله له ألا يتحدث مع الغرباء، فردَّ عليه بشكل غريزي: ”وانت مالك“، لتكون الإجابة البديهية: ”يابني انت تايه، متبقاش متخلف“.

حسناً، أنا تايه.

شارك هذا الـمقال