تدخل أمي مهرولة من باب المنزل إلى البلكونة وهي تتساءل بانزعاج: ”مين اللي نشر الغسيل؟“
كنت قد أعددت لها مفاجأة أنني ساعدتها ونشرت الغسيل للمرة الأولى بعد عودتي من المدرسة وقبل عودتها من العمل، أجبتها أنني أردت المساعدة، ردت وهي تعيد ترتيب الملابس الرطبة على الأحبال: ”كتر خيرك، بس هو انت بتنشر أي حاجة كده؟“
وبما أنني طفل لمض، كانت الإجابة: هو يعني هتفرق في ايه! ”تفرق طبعًا، انت ناشر الغيارات كلها للشارع!“ طلبت مني الوقوف إلى جانبها لتعليمي ”قواعد نشر الغسيل.“
1- ابدأ من الحبال الخارجية، وبملابس الخروج
الحبل الخارجي هو الأبعد، وهو واجهة الغسيل كله، ابدأ بنشر ملابس الخروج، الملابس التي تظهر للمجتمع بها في العادة، ”عشان النشير يبقى شكله حلو، والناس متاكلش وشنا“.
تهتم أمي دائمًا أن نظهر في أفضل صورة، القمصان دائمًا مكوية، يعرف الشخص النظيف من ياقة قميصه، ”شايف الياقة صفرا ازاي؟ حطه في الغسيل“. البناطيل قماشية ومكوية، ”الجينز ده بتاع العيال الصيع“، تغيرت وجهة نظرها لاحقًا حين اشترى أخى بناطيل جينز من سوق بورسعيد الحرة، ثم عادت لرفض الجينز مرة أخرى حين انتشر الجينز الديرتي ”انت تعرف ان ديرتي دي يعني قذر؟ تلبس بنطلون اسمه قذر؟“
كانت ملابسها تحمل نفس الرؤية، عباءات سوداء طويلة، تغيرت لاحقًا في مراهقتي لتتنوع بين الأسود والكحلي والطوبي الغامق ”البيرغاندي بلغة هذه الأيام“
المهم، عودة للدرس:
2- الحبال الوسطى لملابس المنزل
الآن يأتي دور البيجامات اللطيفة، أو قمصان التدفئة التي ترتديها تحت الجاكت، أو ربما بعض التي شيرتات القطنية اللازمة لمقاومة الحرارة الشديدة.
كانت ”الكلاسين“ رفيق دائم في شتاء دمياط ووقت نوات البحر، تمامًا كما كانت ”الفانلات“ القطنية رفيق الحر والعرق.
كان جارنا المسن يعامل ”الحارة“ معاملتنا لغرف نومنا، يخرج إليها وإلينا في كلسونه وفانلته القطنية، لا يلقي بالًا لأي شيء، وكانت أمي وبعض الجيران يتأففون دائمًا ”ما يستر نفسه، عيب!“
”حط الكلاسين ورا البناطيل، مش ورا القمصان، عشان تغطيها“، قالتها قبل أن تتنتقل للصفوف الأخيرة، الحبال الداخلية.
3- الحبال الداخلية للملابس الداخلية
تلك الأحبال لا يراها سوى أهل البيت ومن حولهم من الثقات، من باستطاعتهم الوصول إلى البلكونة، لا يجب أن يطلع كل المارة على دواخلك، أنت لا تعلم شيئًا عما يدور في نوايا الجميع.
أعادت أمي ترتيب الحبال كلها، ”متحطش الغيارات في حتة مكشوفة، داريها باللي برة.“
”طب ما انشر عالحبل القريب اول، ليه ابتدي من برة؟“ أجابت ”انت عايز الناس تجرحنا!. الحبل اللي برة هيداري الغيارات وانت بتنشرها.“
لم أكن أعرف أن أمي – وهي تعيد توزيع ما نشرته على الحبال- كانت في الحقيقة تعيد تشكيل فهمي لصورتي أمام العالم. الحبل الخارجي لم يكن مجرد ”حبل غسيل“، كان درسًا مبكرًا في ”الواجهة“، ما يجب أن يراه الناس أولًا. ملابس الخروج في الأمام، كما تقتضي قواعد الحارة، ورجولتي المستقبلية في الأمام أيضًا؛ مرتبة بعناية كي لا ”تخلّي الناس تاكل وشّنا“.
الحبال الوسطى، المخصصة لملابس البيت، كانت مساحتي الرمادية بين العام والخاص، أشياء تُرى أحيانًا من بعيد، لكنها لا تعرّفني بالكامل. هناك يعيش ضحكي العابث مع أصدقائي، وضيق صدري حين أعود من العمل. ما أستعين به على طول طريقي وصعابه.
أما حبال ”الغيارات“، فهي منطقة محرّمة على عيون المارة، تشبه في واقعها ما يدعوه مؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ ”الظل“، ذلك الجزء الداخلي من النفس، المحفوف بالسرية ”عشان الناس متجرحكش“
لاحقًا، في واحد من لقاءاتي مع الطبيب النفسي، أخبرني أن مشاعرنا تعمل بنفس الطريقة، التوتر هو ما يظهر أمام العالم، يخفي في الطبقة التي تليه مشاعر أخرى، مابين غضب، أو خزى، أو حزن، أو ربما خوف.
حين سألت أمي بسذاجة ”هو يعني هتفرق في إيه؟“، لم أكن أعلم أنني لا أتعلم فقط كيف لا أُحرج أمي أمام الجيران، بل أيضًا كيف لا أجرح صورتي كرجل أمام مجتمع كامل. كيف أستخدم ”الحبل الخارجي“ لأخفي ما أعلّقه على ”الحبل الداخلي“، وكيف أتقن -دون أن أدري– فن أن أبدو كما يجب أن أكون، لا كما أنا في الواقع.
– ”ناولني بقا المشمع ده عشان لو اللي فوقنا حبوا ينشروا ولا لو الدنيا شتيت مينقطش على غسيلنا“
= ”طب ما ده هيقلل الشمس“
– ”مش أحسن ما تغسلهم تاني؟“
في اليوم التالي، وقبل ذهابها إلى العمل:
– ”ابقى لم الغسيل بقا لما ترجع، بتعرف ولا لا“
= ”هو ده كمان له طريقة؟“
– ”آه، بنلم اللي جوة الأول وبعد كده اللي برة“
مممم، حسنًا، يبدو أن أمي لم تكن تتكلم عن الغسيل.