وقفت نادين بضفيرة شعرها المغطاة بالتراب، وردائها الوردي الباهت، ومن ورائها ظهر ركام كان يومًا مباني وشوارع طفولتها. وأمامها وقف مراسل خلف الكاميرا صامتًا، عاجزًا أمام كلماتها البسيطة التي ظلت ترددها:
”أنا فقط في العاشرة من عمري.“
ثم نظرت إلى الكاميرا وقالت بالحدة نفسها:
”ماذا تتوقعون مني؟“
وكأنها كانت تخاطب الجميع. قفز إلى ذاكرتي غزال سلّم عنقه لأنياب مفترس يخترقه دون أن يصرخ أو يعافر، بل ينظر مباشرة إلى كاميرا المصور الذي انتحر بعدها بشهور قليلة.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أشاهد الفيديو القصير للمرة السابعة تقريبًا. وفي كل مرة كانت الجملة نفسها تضربني من جديد، حتى بدت لي كأنها أشْفَقَت على نفسها، فتغيرت ملامحها الصامدة قليلًا وهي تقول:
ربما كنت أريد أن أصبح طبيبة… أو شيئًا ما.
وانفلتت منها دموع مكسورة مرتجفة، فهربت معها دموعي التي ظلت واقفة على الأبواب أكثر مما ينبغي.
لم أستطع تخطي ما شاهدت، فتركت روايتي الأولى التي أعمل عليها. قادتني قدماي إلى المقهى المعتاد، وبعد أن تأكدت من وجود ما يكفي من السجائر، ومن شحن بطارية سماعة الرأس، لم أنهض إلا بعد أن بدأت الكلمات تنساب من داخلي.
رأيتها وسط الخراب الذي سكن الشوارع، والغبار الذي غطى كل شيء، حتى نفوسنا.
كتبت عن ذلك الضوء الصغير الذي يزورها ليلًا، في لحظات السكون والظلام؛ الضوء الذي يخفي قبح المخيمات، وقلة حيلتها أمام كل ما يحدث، والنظرات التائهة التي، رغم صلابتها في مواجهة الإذلال، تبوح بهلع انتشر كالوباء.
تنظر بعيدًا، فلا ترى إلا النجوم خارج نطاق الخيام، فتحمد الله على ما تبقى، وتذوب في النوم.
هناك، في مكان لا تصل إليه أصوات الرصاص، ترى نفسها بثياب بيضاء نظيفة تليق بطبيبة. تدور بين المخيمات، تنقذ أهلها وشعبها، وتعبر الطرقات من خيمة إلى أخرى.
ثم تنظر حولها، فتجد الجميع قد اختفى.
يزداد الركام. تدهس الدبابات كل ما هو أخضر. وتقتل الرصاصات كل ما هو متحرك. تنظر إلى ثيابها البيضاء، فتجدها ملطخة بالدماء. تستيقظ.
حتى تلك الرفاهية الصغيرة لم تمتلكها. ومع ذلك، كانت تتلذذ بهدوء الصباح، بجولتها القصيرة قبل طابور المياه، وقبل طابور الطعام، وما بينهما من طوابير أخرى لا تنتهي.
روحها مثقلة، ونبرة الحزن معلقة بين أنفاسها، واضطراب حركاتها يفضح ما تحاول ملامحها إخفاءه، حتى الرعشة التي تسري في كفها وهي تشير إلى الصخور والجدران المتساقطة خلفها.
تذكرت نادين أخرى. كانت صغيرة في العمر نفسه تقريبًا، تتقدم مسيرة تنتقل من مخيم إلى آخر، كالمتسولين في أرضهم.
لم يكن لها رفيق يطيّب رحلتها سوى البكاء؛ تبكي بسبب وبدون سبب. كان أخوها الصغير يدفع كرسيًا متحركًا متهالكًا، يحمل أخاهما الذي يكبرها بعامين، بينما تحمل هي حقيبة بها بعض الملابس المتسخة.
توقفت قليلًا لتساعد أخاها في حمله، والدموع تنهمر كعادتها. لم يعد أحد يسألها عن السبب.
أنهيت سجائري، وكوب قهوتي، والكلمات القليلة التي طاوعتني.
ثم غادرت المقهى.
لكن صورة نادين لم تغادرني.