⁠العاشرة مساءً
٧٢٧ كلمة

أرغب في الحديث بصدق، وأود أن أقول، وأنا أقف في نقطة ربما تحت الحضيض بدرجتين أو قل ثلاث، بعضًا مما رأيته هناك عند تلك النقطة التي لا أرغب حقًا لأحد أن يصل إليها… لكن لا بأس لو منحتك فكرة عما يوجد هنا…

هنا ظلام دامس، وشعور ممض بالضيق. يشبه الأمر أن يُطلب منك حمل خسائرك الثقيلة على كتفيك، والركض بها في مساحة لا تتخطى المتر في متر، فلا تعود قادرًا على الفهم: هل يجب أن توفر مساحة، أم تحتمل الثقل، أم تبحث عن طريقة لتجد نقطة نور؟

أتعلم؟ أسوأ من الخسارة أن تنكرها، أن تدعي أن شيئًا لم يحدث وأنك قوي، وأن كل شيء على ما يرام، تمامًا كما أن من السيئ أن تبكي وتملأ الدنيا صراخًا وعويلًا…

الأمر محير حقًا، وبخاصة إن كنت تؤمن أنه حري بالمرء كتمان مصائبه وأوجاعه، هذا من شيم النبلاء يا أخي، والشكوى لغير الله مذلة، لكن مهلًا، ماذا عن كل هؤلاء الذين كتموا بلاياهم في المساء فلم يطلع عليهم صباح؟

أو ربما أسكتهم الحزن الشديد لوقت طويل، بجلطة أو مرض مزمن، قل: سكري أو مرض مناعي، أو حتى تعب جسدي أقعدهم عن الدنيا وما فيها؟

إذًا… الكتمان كرب، والعويل هوان… ما العمل إذًا؟

لقد خسرت الكثير، أكثر مما يمكن عده أو حتى الإشارة إليه، وأستطيع أن أخبرك كيف هي الخسارة في الحقيقة: الأمر يشبه مرارة العلقم في فمك، مرارة مؤذية جدًا، تتذوقها بكل خلية في جسدك، لكنك تضطر لأن تبتسم وتدعي أنك ذقت الشهد لتوك، وأن التجارب تبني، وأن الخسارة مكسب لنفسك، وأنك تعلمت الدرس وصرت أقوى، وما إلى ذلك من هراء…

أتعلم؟

الخسارة مؤذية جدًا… كالحرث في الماء.

الخسارة ليست في المال أو الوقت أو البشر وحسب، هذا يحدث طوال الوقت، لكن البلاء الحقيقي أنه ومع كل خسارة تفقد بعضًا من روحك، تفقد أمانك وثقتك في نفسك.

الغباء ذاته الذي قادك إلى خسارتك ومرارتها سيقودك بالضرورة إلى خسائر تالية… المقدمات المتشابهة تقود إلى النتائج ذاتها… أنت تعلم القاعدة بكل تأكيد.

تسألني عن رأيي في المسألة؟ أقول لك: لا بأس أن تبكي، أو تصرخ، أو تكتب مقالًا كهذا تقول فيه بكل صراحة، وربما وقاحة، ما تشعر به حقًا.

بمَ أشعر؟ أشعر أنني أرغب في أن أركل الكون في صميم قلبه، أن أخبر كل ذرة على هذا الكوكب أن المسألة لا تستحق العناء.

الحديث مهمة ثقيلة، وشرح الأمور غير القابلة للشرح إهانة في حد ذاته… يقولون إن ذلك اكتئاب، لكنني أقول لك إن تلك هي الحقيقة المرة… معرفتها كرب، ونسيانها حماقة.

حتى الانزواء لا فائدة منه، ولن يريحك، سوف تستعيدك الحياة لتضعك من جديد في الأتون ذاته، تصهرك وتصنع منك نسخًا جديدة، يقول عنها الناس إنها ”أجمل“ وأكثر حكمة وذكاءً، لكنك تراها عن قرب وتعرف مدى هشاشتها، نسخًا تبكي أكثر، وأسرع، وبمرارة أكبر، نسخًا تعرف أن هذا لن يجدي… لا البكاء ولا الصمت.

لا مجال للتراجع، تقول لنفسك: لا اختيارات هنا. سوف تنخرط في عالم من التيه حيث لا شيء يريح القلب سوى النسيان.

سوف تجتهد، لكن ذاكرتك تخذلك، في أحسن الأحوال قد تنسى الأحداث والتفاصيل وحتى الأسباب التي قادتك إلى خسائرك…

لكن تبقى غصة هناك، أو بالأحرى ندبة تذكرك دائمًا، وبالذات في أفضل أوقاتك، أنك لست على ما يرام!

يقولون إن الحل الحقيقي للخروج من المأساة أن يحب المرء نفسه، وأن يحاول أن يكون على ما يرام، لكن الوصول إلى تلك النقطة بالذات سوف يكشف لك مرحلة جديدة من مراحل الحضيض…

مرحلة ”الحقيقة المرة“، تلك التي تفهم معها كم غرقت في المأساة حتى أذنيك فلم تعد ترى نفسك، لم تعد تملك فكرة عنك.

لقد تماهيت مع المآسي والخسائر حتى صرت تعرف نفسك بـ”فلان الذي خسر لتوه“.

ربما تلك هي الخسارة الأكبر، والأكثر قسوة حقًا، أن يخسر المرء نفسه في خضم الخسارة، فلا يعود ينظر إلا إلى الوراء، ولا يصل نظره إلا إلى مآسيه، كأن الكون قد ضاق عليه بما رحُب، وكأن الصدر قد ضجر بالرئتين والقلب.

من الحضيض أخبرك بصدق شديد أنه لن يجبر كسرك عودة المفقود، فالفقد إجباري، لكن الجبران الحقيقي في إيمانك التام بأن كلًّا من حضيضك وبؤسك لا يخص أحدًا سواك، أو كما قال جاهين: ”صبرك ويأسك بين إيديك وانت حر“.

لن يمد أحد يديه ليقيلك من عثرتك، وإن فعل فلن يحتمل، وإن احتمل فسوف تصير بطريقة ما عائقًا إضافيًا في قائمة العوائق في عالم متسارع وقبيح وثقيل.

أفق وأدرك: الكل داخل الحفرة بطريقة ما، لا مخلص هنا، فـ”الكل متعلق من عرقوبه“، وهذه قصتك بالكامل:

إما أن تضع نقطة النهاية، أو تقرر أنك سوف تبدأ بما تبقى لديك مما يصلح فصلًا جديدًا.

ربما هذه المرة تكون أنت البطل في قصتك، لا المأساة.

شارك