كان يومًا عاديًا من أيام الامتحانات وما أكثرها! ذهبت باكرًا إلى قاعة الامتحانات كعادتي ليس لشيء سوى لأنني على وشك اتخاذ قرار كبير -يفعله الجميع دون ذرة تفكير حتى- لكنه بالنسبة لي يحتمل أكثر من ذلك.
”أين سأجلس؟“ هذا هو السؤال المؤرق الذي يراودني كل يوم.
-حسنًا، لنجرب هذا.
=لكن هنا تسطع أشعة الضوء بشكل مباشر فوقي.
-إذًا، فلنجرب هذا.
=جميل، لكن هذا المقعد بجوار الشباك، حيث صوت السيارات على الطريق المقابل.
لا، لا أستطيع تحمله.
-ماذا عن هنا؟
=اممم، يبدو جيدًا، لكنه في المنتصف، ليس قريبًا من الباب، ماذا لو حدث شيء ما اضطرني للهرب؟
يا بنت الحلال إيه اللي ممكن يحصل وليه؟
لا أعرف، ولكن هكذا أرتاح أكثر.
-إذًا، فليكن هذا!
=هذا بعيد عن المراقبين، مما يعني أنني على وشك سماع جرعة معتبرة من الغش المركز، وأنا أتوتر من تلك الأصوات الهامسة!
يمر هذا الحوار يوميًا بذهني كلما هممت باختيار مقعد في قاعة الامتحانات، مثير للضحك أليس كذلك؟
يبدو أن عقلي يقوم بعمليات معقدة لاتخاذ قرارات بسيطة، يفعلها الناس دون أدنى تفكير أو تردد وهذا موقف من آلاف المواقف.
دائمًا ما اعتبرت هذا عطبًا بي. وكنت أتمنى لو أن بإمكاني تحديد الجزء المعطوب تحديدًا حتى أتعامل معه وجهًا لوجه. -يا ويلك مني لو كنت لقيتك-
إلى أن وقع بين يدي كتاب يتحدث عن نوع من الأشخاص يتسمون بدرجة فائقة من الحساسية. ”الأشخاص مفرطي الحساسية- إلين أرون“وجدت فيه تفسيرًا لبعض ما أمر به طوال حياتي ولا أجد له تفسيرًا.
علمت من خلاله أنني لست وحدي، كل ما في الأمر أن حواسي تستقبل المثيرات بشكل أكبر مما هي عليه في الحقيقة.
أتعرفون الأشكال التي نفعلها في الظلام عندما ينقطع التيار الكهربائي؟ حينما نضع كشافًا للضوء ثم نحرك أيدينا أمامه لنصنع ظلًا ضخمًا مخيفًا على الحائط وما هو في الحقيقة إلا ظل ليد صغيرة!
أشعر أن الأمر كذلك، تستقبل حواسنا -نحن مفرطي الحساسية– أي مثير خارجي سواء أكان صوتًا، ضوءًا، رائحةً، أو حتى مذاقًا، بقدر يفوق مقدارهم على الحقيقة. تمامًا مثل لعبة الظل!
كما أن قوة الملاحظة وحدة المشاعر لدينا عالية، أستطيع أن أشعر بما يشعر به من حولي، أستطيع أن أخمن ما يفكرون به، أستطيع أن ألاحظ أي تغير بسيط في نظرة العين أو نبرة الصوت وعلام يدلون!
أفرح فأشعر أن لا أحد في العالم أسعد مني، أحزن فأشعر أن لا حزن في العالم يضاهي حزني. هكذا أعيش الشعور بملئه كأن لا شعور غيره ولم ولن يكون!
بعدما تعرفت إلى ذلك المفهوم، توقفت عن البحث عن الجزء المعطوب داخلي،
واكتشفت أنها سمات شخصية طبيعية تمامًا، وما علينا سوى أن نتعامل معها بحكمة كي نحد من تأثيرها المعطل علينا. توقفت عن نعته بالعطب من الأساس، هذه أنا، وهذه طبيعتي..
أتذكر تلك الفتاة الصغيرة الفزِعة، التي لا تدري كيف تسير في هذه الحياة، بكل تلك الرقة التي تحملها والتي تجعل أي كلمة جافية جارحة، وتترجم أي نظرة عدم رضى إلى سهم يخترقها..
تتأذى من ضوء المصباح ومن صوت التلفاز إذا تزامن مع صوت أشخاص يتحدثون أو حتى صوت ڤيديو عابر من أحد الهواتف. تتوتر لدرجة البكاء وتشعر بالغرابة الشديدة.
لم يعلمها أحد كيف تتعامل مع ذلك، ففتاتنا مفرطة الحساسية ولم يدرِ أحد أصلًا ما خطبها، كان الأسهل أن توصم ويُستهزأ بها.. لم يعرف أحد كيف يتعامل حتى يعلمها بدوره كيف تتعامل مع نفسها والعالم..
لكنني الآن أتعلم، بالطريقة الصعبة، لكن في النهاية أتعلم. بخطى متعثرة، وبقلب دامٍ أتعلم.
لطالما كان هذا العالم قاسيًا بشكل يصعب تحمله -بالنسبة لي على الأقل-، لكنني أحاول. أبث الأمل المفقود في نفسي وأُمَنِّيها به، أتعلم عن نفسي هذه، كيف تشعر؟ بمَ تفكر؟ لماذا هكذا تشعر وتفكر؟ ما الذي بإمكاني فعله كي نصير أحسن؟
عندما لم يكن هناك من يربت على كتفي -وأبدًا لم يكن-، ربت أنا عليه، عندما لم يكن هناك من يحتضنني -وأبدًا لم يكن-، فعلت كذلك بنفسي.
تضحك شريكاتي في الغرفة عندما يجدنني أقول لنفسي ”بالراحة يا منورة، معلش هتعدي..“ أو عندما يجدنني أربت على كتفي وأمسح على رأسي، لكن سرعان ما يعتدن ذلك على أي حال، بل إنني علمتهن كيف يفعلن ذلك أيضًا.
أتذكر هنا اقتباس السيدة كريستين نيف الذي وجدته مصادفة ولمسني فقمت بترجمته:
«أحيانًا، تكون أكثر الكلمات المريحة، هي تلك التي نقولها لأنفسنا.
عندما تبدو الحياة ساحقة، فإن امتلاك صوت داخلي عطوف وحنون يمكنه أن يكون نقطة تحول. بدلًا من البحث خارجًا عن الكلمات المثالية، فقط توقف قليلًا، واسأل نفسك:
”ما الذي أحتاج سماعَه الآن؟“
سواء أكان:
”أنا هنا من أجلك“،
”أنا أهتم لأمرك“،
أو
”لا بأس أن نكون غير كاملين“،
هذه الكلمات بمقدورها أن تمنحنا السكينة والقوة.»
أنظر إلى الدنيا بعيون غير تلك التي ينظر بها الآخرون، لذا فقلما يفهمني أحد.. تقول لي صديقة: ”يا بنتي بطلي فلسفة، كدا دماغك توجعك، ما حدش بيفكر للدرجة دي“، فأضحك:“)
ومع ذلك أتمنى أن أظل كما أنا. أن أرى الدنيا بعيوني أنا، أن أظل أواجه الحياة باللين، لكن أن أتعلم كيف أوازنه بالحزم في موضعه حتى أحمي نفسي.
أن أتألم مع كل متألم، وأن ألتمس الأعذار للبشرية جمعاء. أن أدعو لكل من أراه في طريق سواء أعرفته أم لم أعرفه. أن أهتم لهموم أحبابي والناس من حولي. هذه أنا..
لطالما فعلت ذلك وحدي، أسير في هذه الحياة بقلب ملؤه الحب والخوف، الأمل واليأس، الإقدام والإحجام، أتأرجح بين هذا وذاك..
لكن ما يهم حقًا أنني ما زلت أتحرك.