حاولت مرة أن أصف لأصدقاء لم يزوروا أسوان طعم الدوم، ثمرة نخيل نادرة نسبيًا في القاهرة. قلت لهم: «طعمه بين التمر والشوكولاتة الخام، أخشن منهما، يحتاج مضغًا طويلًا صبورًا، ورائحته فيها شيء من الخشب المحروق برفق».
أومأوا مجاملة، ورأيت في عيونهم فهمًا للجملة وحدها. في زيارة تالية أحضرت لهم قطعة منه فتذوقوها، وتغيّرت ملامحهم فورًا على الرغم من أنني لم أقل كلمة جديدة.
الكلمات بقيت كما هي، وهم صاروا يعرفون بطريقة لم يعرفوها قبل لحظة المضغ الأولى. لهذا الفارق، بين أن تُقال لك الكلمات وأن تتذوق الشيء بنفسك، وضع علماء المسلمين قديمًا تصنيفًا لا يزال دقيقًا.
يستخدم القرآن، في سورة التكاثر، مصطلحين متجاورين: علم اليقين ثم عين اليقين، وفي سورتين أخريين يرد مصطلح ثالث: حق اليقين.
ومن هذه المواضع الثلاثة بنى المفسرون تصنيفًا لمراتب المعرفة صار من أشهر ما أنتجه الفكر الإسلامي في هذا الباب. والمثال الذي يشرحونه به بسيط:
أن تُخبَر بوجود نار في مكان ما، فهذا علم اليقين، معرفة بالخبر.
أن ترى النار بعينك، دخانها ولهيبها، فهذا عين اليقين، معرفة بالمشاهدة.
أن تقترب حتى تلفحك حرارتها، فهذا حق اليقين، معرفة محمولة في جسدك.
الفارق بين هذه المراتب فارق في نوع المعرفة، أعمق من فارق الدرجة.
علم اليقين ينتقل كاملًا بالكلمات؛ يمكن أن تكتبه في كتاب فيصل إلى القارئ كما وصل إليك.
عين اليقين وحق اليقين يقاومان هذا النقل: مهما وصفتُ حرارة النار بدقة، تبقى معرفتي بها قبل أن ألمسها معرفة من نوع مختلف عن معرفتك بها، على الرغم من أننا نستخدم الكلمات نفسها.
هذا ما دفع الصوفية، وعلى رأسهم الغزالي، إلى استخدام كلمة أخرى لأعمق درجات المعرفة: الذوق. رأى الغزالي أن الذوق وحده يوصل إلى اليقين الكامل، لا العقل ولا الحواس المجردة.
الذوق فعل جسدي بسيط لا ينتقل بالوصف مهما بلغت بلاغة الواصف؛ تقرأ ألف صفحة عن طعم القهوة ولا تعرف طعمها إلا حين تشربها.
الشيخ يهيئ الطريق ويصف العلامات، ولحظة الذوق نفسها لا يملكها إلا من يعيشها.
من يحفظ كتب الحب كلها دون أن يحب فإنه يملك علمًا بالحب، لا الذوق نفسه؛ ومن يذوق الحب دون أن يملك أدوات التعبير عنه فإنه يملك المعرفة الأعمق، وإن عجز عن وصفها لأحد.
أعرف طعم أكل أمي تحديدًا، لا أي طبخة تشبهه، وأعرف سكون لحظة معينة عند النيل لا يشبهه سكون مكان آخر مهما صوّرته الكاميرات بدقة.
هذه معرفة تحتاج حضورًا مباشرًا، ولا تصل كاملة عبر أي وسيط مهما كان بارعًا.
ونعيش اليوم عصرًا يستبدل النوع الأول من المعرفة بهذا النوع الثاني باستمرار: نقرأ عن الأشياء بدل أن نعيشها، ونراكم علم اليقين عن كل شيء تقريبًا، بينما تتضاءل مساحة حق اليقين في حياتنا.
أتذكر ملامح أصدقائي في تلك الزيارة الثانية، وهي تتغيّر في اللحظة التي لامست فيها قطعة الدوم ألسنتهم، لا قبلها. لم أقل يومها كلمة لم أكن قد قلتها من قبل.
الكلمات نفسها بقيت في مكانها، وهم صاروا، بمضغة واحدة، يعرفون شيئًا لم تكن الكلمات كافية لنقله.