⁠العاشرة مساءً
٦٤٢ كلمة

لطالما أحببت الكتابة. ولطالما ابتعدت عنها.

كم مرة وعدت نفسي أن أكتب كل يوم ما يجول في خاطري؟! وكم مرة قصرت في ذلك؟

لو قلت لك إن هذه المرات كانت أكثر من عدد شعرات رأسي، أكنت تصدقني؟ ربما، ولكن لا أحد يعرف عدد شعرات رأسه؛ فهي إذن عدد لا يحصى من المرات التي وعدت نفسي فيها بالكتابة.

آخر مرة كتبت فيها شيئًا ذا بال كانت عندما أنهيت الخدمة العسكرية، أي قبل عشرة أشهر من الآن. حينها كتبت ما كنت أشعر به في تلك اللحظة الفارقة، ولعلي أنشر ما كتبته هنا مرة أخرى.

كنت، وأنا في الخدمة العسكرية، أكتب كل يوم -تقريبًا- صفحة في نوتة صغيرة كنت أحملها في جيبي، وكنت آنذاك على الحدود المصرية الليبية، حيث لا تواصل نهائيًا مع العالم الخارجي، وأرض شاسعة على مد البصر لا شيء فيها.

في تلك البيئة الشديدة الملل لا تملك سوى أن تفكر في أشياء غريبة جدًا؛ تكتشف فجأة أنك تفكر في أشياء لم تكن لتفكر فيها في أي مكان آخر، ولم تكن لتفكر فيها مع وجود هاتفك المحمول متصلًا بالإنترنت، ولم تكن لتأتيك هذه الأفكار وأنت قاعد في مكانك مستمتع بما تشاهده على التلفاز أو المنصات الرقمية المليئة بالأفلام والمسلسلات والألعاب.

هناك اكتشفت أنني أطيق الجلوس مع الكتاب فترات طويلة، وأنني أكتب -كل يوم- عما أسمعه من البودكاست على هاتفي الصغير ذي الأزرار الملساء، وأكتب عما أقرأ، وعن الأفكار الغريبة التي تأتيني.

لا بد أن الملل بدأ يتسلل إليك الآن، أليس كذلك؟

لا بأس، فلنعد إلى موضوع الكتابة… أقول إنني أحن إلى الكتابة، وأعود إليها الآن عودة مغترب إلى وطنه وإلى طبيخ أمه.

قصتي مع الكتابة الجادة بدأت مع اشتغالي بالصحافة في أواسط يوليو 2023؛ حينها بدأت العمل محررًا صحفيًا في منصة إخبارية على الإنترنت. وأثناء عملي تعرفت إلى قوالب الكتابة الصحفية، لكنني لم أكن أحب هذا العمل كثيرًا لكوني ملزمًا به مجبرًا عليه.

حينها كنت أدون بضعة أسطر عن حياتي في ”جوجل كيب“، وكنت أعجب بها جدًا، عندها قلت في نفسي: لماذا لا أنتظم في الكتابة الحرة؟ الكتابة البعيدة عن مواضيع السياسة وهمومها اللانهائية.. حينها وعدت نفسي أن أكتب كل يوم عن يومي: ما عملت فيه، وما قرأت، وما قصرت في إنجازه.

كنت أضع مهمة الكتابة كل يوم في خطتي اليومية، لكنني لم أكن أكتب قط إلا عندما يكون مزاجي حاضرًا، ونفسي مقبلة على الكتابة.

ثم بدأت أبحث عن حل لهذه المشكلة… وبعد بحث طويل، دونت الحلول التي قرأتها وسمعتها من أناس متخصصين في الكتابة، وبدأت أختبرها على نفسي واحدًا تلو الآخر. والنتيجة؟ مزيد من اللاكتابة!

غير أنني، في ليلة من ليالي الأرق، خطر في بالي أن أكتب كل يوم كلمة واحدة تصف ذلك اليوم وصفًا دقيقًا… فاشتريت نوتة أنيقة ذات غلاف صلب لونه أزرق، وفي كل يوم كنت أكتب صفته في كلمة واحدة لا غير.

ثم في يوم، وأنا أكتب، وجدت نفسي مسترسلًا في الكتابة على الورق، واصفًا تفاصيل يومي منذ استيقاظي حتى لحظة الكتابة.

أنهيت النص، ولمعت عيناي التماعة السعادة، وفرحت نفسي بهذه الكتابة وقلت: أخيرًا، فعلت ما بدا ثقيلًا وصعبًا!

من صفات الكتابة أنها مهنة انعزالية، ومن حسن حظي أنني أشترك معها في هذه الصفة. ومن صفاتها الأخرى أنها مهنة مضنية جدًا. ومع التجربة، تعلمت أن الكتابة الجيدة وراءها تعب وشقاء، فالكتابة فعل شاق حقًا!

يهتم المرء بكتابته، فيسهر الليالي الطوال راكضًا وراء الأحرف، يلتقطها بخطاف، ثم يرتبها ويجمع بعضها إلى بعض في كلمات تبقى أبد الدهر؛ فكما يقول الشاعر:

وما من كاتبٍ إلا سَيَفْنَى *** ويُبقِي الدّهرُ ما كتبتْ يداهُ

فلا تكتبْ بكفِّكَ غيرَ شيءٍ *** يَسُرُّكَ في القيامةِ أنْ تَراهُ

ولكن، كيف يهرب الإنسان من نفسه ”الأنتوخة“ المحبة للهو واللعب والراحة؟! لا مهرب.

ابتعدت عن الكتابة كثيرًا بعد عودتي إلى الحياة العادية، حيث الإنترنت والهاتف والكمبيوتر، والتقليب اللانهائي على ”السوشال ميديا“.

في هذه الفترة، نسيت الكتابة. نسيتها حقًا! فلم تكن تخطر لي على بال، ولو بالمصادفة البحتة، ولم تكن نفسي تشتاق إليها، فكأنني لم أكتب في حياتي شيئًا قط!

لكنني الآن، صديقي القارئ، أسلك طريق الكتابة من جديد، وأدعو الله أن يثبتني على هذا الطريق وأن تقرأ هذه الكتابات بحب!

شارك