⁠العاشرة مساءً
١١٣٢ كلمة

في العام الماضي وبينما كنت أتصفح صفحة الجائزة بشكل دوري لمرات لا تحصى يوميًا، كمن أرسل رسالة للفتاة التي يحبها سرًا وحانت لحظة المكاشفة والمواجهة وانتظار الرد.

وفي منتصف ديسمبر، أفتح إنستجرام لأجد أمامي ”بوست“ للجائزة وبها أسماء القائمة القصيرة وفي مقدمتهم اسمي.

كانت تلك فترة حالكة من حياتي، ليس لدي وظيفة، لا أجد موقعًا أنشر به مقالات تراكمت عندي وتخيلت أن أصبح عليها طبقات من الغبار من ”كتر الركنة“.

أصبحت تلك اللحظة نقطة النور التي طالما بحثت عنها، ليست الجوائز هي من تمنح العمل أو صاحبه القيمة، بل لدي قناعة أنها ما إلا ذوق شخصي للمصوتين مهما حاولوا أن يتجردوا من ذائقتهم.

ولكن كشخص في بداية طريقه يتوق لأي اعتراف، ليس فقط لإسكات شكوكي الداخلية بأنك ربما أحد الحالمين الواهمين الذين يظنون بأنهم يمتلكون موهبة ما، لكنهم في الحقيقة لا.

بل أتوق لدليل ملموس تستطيع أن تقدمه أمام أحدهم فيتعامل معك بجدية، هذا كاتب بالفعل فلقد نشر عدة مقالات وترشح لجائزة ذات مرة.

ولكن أتذكر حينها أن فرحتي بدخول القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية للسيناريو لم تدم أكثر من نصف ساعة، كنت في أغلبها في حالة من عدم الإحساس العام، مراكز الأعصاب مجمدة، وعندما ذاب هذا الجمود وجدت نفسي أمام تساؤل طالما هدم ملذاتي كلها.

لعنة المستقبل

أعي أن الحياة ما هي إلا خطوات ”نونة“ نخطوها على أمل الوصول، لن تبلغ قمة الجبل ما لم تتسلق أسفله. لكن بمرور الوقت، وها أنا تفصلني أيام عن بلوغ عامي الـ26 حينها، أصبحت أخشى مرور الوقت كعجوز يخشى الموت.

لذا قبل أن أسبح في بركة من البهجة والهدوء لساعة واحدة على الأقل، يباغتني هذا السؤال باستمرار، بل لم يفارقني إلا لدقائق معدودة مع كل بهجة نادرة تحدث، وهو: ماذا بعد؟

طالما كان هذا التساؤل بالنسبة لي مرهونًا باللحظة الحالية وليس المستقبل.

هذا القلق المزمن الذي ينهش جسدك حتى تخور قواك أحيانًا، هو نتيجة لتعاسة اللحظة الحالية.

إذا كنت في الآن تنعم بما تريد سيصبح التفكير في المستقبل هاجسًا يسكب عليك الرعب من زوال ما تملك حاليًا، لذا يظل الإنسان مشغولًا بحاضره مبتعدًا عن التفكير فيما سيخبئه الغد.

بيننا ”ماذا بعد؟“ يعلو صوته ويهبط عليك تارة وتستدعيه أنت أخرى عندما تشتد ظلمة اللحظة الحالية.

يتحول هذا السؤال المؤرق بكل ما تعنيه الكلمة إلى طوق نجاة لعائم في البحر ينتظر أن يمد له حبل قبل أن يغرق لينتشله من بحر الكمد واليأس.

ذهبت الأحلام مع الريح

بنيت أحلامي وطموحاتي الحالية على دخول القائمة القصيرة للعام الثاني على التوالي، لم يكن الفوز هو الهدف، لو أتى لن أعترض بالطبع، لكن كنت أود لدليل ثالث -بعد الترشح تارة والاختيار ضمن مختبر تطوير الأفلام تارة أخرى- يؤكد لذاتي أني أمتلك ذلك الشيء الخفي الذي يسمى ”موهبة“.

ومنها شيء إضافي يساعدني على تقديم ذاتي لدوائر الصناعة كوني ترشحت مرتين.

من تجربتي السابقة كنت أعلم يوم إعلان الأسماء، فعلت إشعارات المنشورات على الهاتف لكي لا أحتاج إلى تفحص الهاتف كل دقيقة، كان الأمل أكبر من المرة الماضية، حيث بعد إخفاق مهني رجعت أحلم بالترشح كطوق نجاة، يخرجني من تلك الوظيفة التي لا أحبها ويدخلني إلى عالم السينما.

جاء الإشعار، تفحصت الأسماء ثلاث مرات، لكن لم أجد اسمي!

سادت لحظة من الصمت، غادرت السرير وأنا لا أشعر بشيء، ولكن على عكس الفرح فإن مشاعرك المتجمدة تذوب أسرع، وفجأة تجدك أمام كل ما خشيت، الآن انهارت الخطة، ماذا أفعل وكيف السبيل إلى النجاة!

من أول مرة!

لا أصنف حياتي على أنها سعيدة بأي حال، ولكن لا أنكر أني محظوظ بصورة أو بأخرى، أول مقال كتبته بعد الانتهاء من سنة الجيش تم نشره، لم أحصل على مقابل لكن لم يكن مهمًا حينها، وبعد عدة أشهر وقبل بلوغي ذروة اليأس بلحظات..

تحصلت على أول مقابل مادي من الكتابة، بل إن أول سيناريو أكتبه -أنا غير الدارس للسينما بأي معهد أو ورشة- يرشح إلى جائزة، حصلت على وظيفة وانتقلت إلى القاهرة بعد شهر واحد من عملية البحث وبلا خبرة مسبقة.

وكأني رامي ماهر بالفطرة يصيب هدفه بأول تجربة، وظننت حينها أن هكذا هي حياتي، الخطوة التالية ستأتي تلو الأخرى، لن يعيقني شيء وسأصل إلى كل ما أطمح قبل بلوغ الثلاثين لأسطر اسمي مع كل من أتى بما لم تستطعه الأوائل.

لكن في النهاية خاب ظني، وددت ترك وظيفتي والبحث عن أخرى لكن لم تسر الأمور كما يجب، وضاع حلم القائمة القصيرة، ولم يصلني رد من شركة الإنتاج أو أي مخرج تواصلت معه، بدأت أشعر بالاختناق، أود ترك وظيفتي ومصدر أماني المالي الوحيد لأني أشعر أني فنان مقيد، لا يفعل ما يحب ولا يود أن تكون هذه حياته.

يجب على الطفل أن يموت

قبل أن أهم بكتابة الاستقالة توقفت خوفًا من نظرات أصدقائي تجاهي كطفل مدلل لا يود أن يضحي بشيء أو يتحمل مشقة الحياة ولو قليلًا، وأدركت أني كالأطفال بالفعل، إذا لم أحصل على ما أريد من المرة الأولى تصبح تلك نهاية العالم، أشعر بالامتعاض والرغبة بالبكاء كالصغار، وكأن العالم يدور حول رغباتي أنا فقط فكيف لا يتم تلبيتها!

يحدثني صوت مرتجف بأن علي أن أهدأ وصوت آخر صائحًا بأن علي القلق، وبينهما أنا طفل ينتظر من يمد يديه إليه، ظل ينتظر مرور الوقت حتى تجاوز الوقت المحدد، لكن لم يأتِ أحد.

أدركت أثناء حديث عميق مع شخص عزيز علي أن الحل بموت هذا الطفل، وتذكرت حينها أن نجيب محفوظ استمر محتفظًا بوظيفته حتى المعاش من أجل أن تمنحه الأمان المادي الذي لا يجعل الكتابة عملية مؤرقة لأن رقبتك تحت سيفها، فهل أنا خير من محفوظ الذي كان يكتب من 4 إلى 7 مساءً!

اللبن المسكوب

وقبل أن أتخطى الحزن، وقبل أن تنقضي لحظة التنوير الخاصة بموت الطفل الداخلي، راودني تساؤل: كيف سنعوض ما فات وهل كان بالإمكان أفضل مما كان؟

نظريًا كان يمكنني فعل الكثير لكن الطفل الذي تحكم بكل شيء وفقد السيطرة على حياته مع كل عقبة كان يحول دون ذلك، فلذا لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب فلا يمكن تغيير الماضي، بل أيضًا لأن الماضي كان نتاج مشكلة مزمنة -الطفل بداخلي- الذي كان يجب أن نتحرر منه لكي نصل، فما فات كان أزمة كان علي تجاوزها وها أنا فعلت.

وبعدين؟

تلك اللحظة التي تتجلى فيها الإجابة التي طالما بحثت عنها ليست مرتبطة بالضرورة بلحظة استنارة عقلية، بل كانت نتيجة للحظة سلام داخلي لم أنعم به إلا بعد لقاء الليلة التي سبقت إعلان النتيجة، لأدرك مجددًا أن الكنز ليس في الوصول ولا حتى في الرحلة، بل في الصحبة التي تسير معك طريقك وتشاركهم طريقهم.

لذا ليس لدي إجابة على التساؤل موضوع حديثنا، ولكن كل ما أعرفه أني سأضع خطة جديدة، سأحاول مجددًا، مرارًا وتكرارًا، حتى أصل أو ربما لن يحدث، لكن لا يهم طالما يشاركني رحلتي من أحب.

أو كما قال ”لابي سيفري“ ربما هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول.

لقد كنت محطمًا منذ زمنٍ طويل

بدا وكأن روحي قد ماتت واختفت

لكن لا بأس

لقد عدتُ إلى المعركة

ظننتُ أن يومي لن يأتي أبدًا

وربما لن يأتي، لكني سأستمتع

وسأتمسك جيدًا

فربما بهذه الطريقة، قد يأتي

I’ve been down for, oh, so long

It seemed like my soul was dead and gone

But it’s alright

I’m back in the fight

I thought my day would never come

Maybe it won’t but I’ll have fun

And I’ll hold tight

شارك هذا الـمقال