⁠الخامسة عصرًا
٨٢١ كلمة

بصراحة، كان نفسي أكون شخص يتقن عزف العود. وفي أوقات مثل التي يمر بها الإنسان من آنٍ لآخر، أمسك العود، أدخل إلى حجرتي بعض الوقت. ثم أبدأ عزف ألحان حزينة، بوجه لا يعكس الكثير من المشاعر، لأن المشاعر كلها في أصابعي.

لا أكتفي بسماع ألحان حزينة من نسج خيال أشخاص آخرين حزانى. لا. أعزفها أنا. أريد حزني الموسيقي. حزني أنا. عندي الكثير من الألحان الحزينة في دماغي، أدندنها أحيانًا بيني وبين نفسي، ولا أعرف كيف أقولها للعالم، لأنني لا أعرف الطريق إلى كتابة النوتة الموسيقية، ولا تعرف أصابعي كيف تسيطر على الآلة.

المشكلة الأكبر أني لمّا جربت تعلّم عزف العود، اكتشفت أنه واحد من أعقد الأشياء في العالم. شيء بشع. صعب جدًا. إيه القرف دا؟

لكي تتمكّن من إنتاج نغمة سليمة واحدة، ستحتاج أولًا إلى جلب ألف نغمة نشاز للعالم.

وهي صفقة عادلة جدًا في رأيي. لأن النغمة الواحدة السليمة تخرج بعذوبة تملأ الكون.

أقول إنها صفقة عادلة. ورغم ذلك لم أستطع الالتزام بها..

وهكذا لم أتعلم عزف العود. اكتشفت أنني لا أحب عزف العود، أحب ملمسه، أحب ريشته، لكنه، مثلًا، يؤلم كوعي، وأنا كوعي حساس. اكتشفت أنني لا أحب عزف العود بقدر ما أحب فكرة عزف العود. أحب جسم عزف العود لا شخصيته، وهكذا بعد أن جرّبت المسألة نفسها، شعرت بالإيه دا؟ أنا بعمل ايه هنا؟

أخي مثلًا، على الناحية الأخرى، تعلّم عزف الجيتار في مرحلة ما من حياته. وأتقنه. علّم نفسه بنفسه. وعمري ما فهمت قد إيه دا كان شيء مذهل إلا لما جرّبت أتعلم عزف العود.

كان يجلس في غرفته بالساعات، يعزف ألحانًا بشعة، مرة تلو الأخرى. ومرة تلو الأخرى. ومرة تلو الأخرى. حتى انتبهت مرة وأنا في الصالة، بعدما انقضت عدة أشهر من الألحان البشعة أنني أسمع المقدمة الموسيقية المألوفة لـأنت عمري.

حاجات كتير كمان اكتشفت أني بحب جسمها مش شخصيتها. بحب صورتها مش ممارستها. الرسم مثلًا. أحيانًا كثيرة أفكر، آه لو كنت رسّام. كنت هقعد في ركن بعيد من المقهى، وأرسم النادلة الحسناء ذات العيون الزرقاء الواسعة.

متخيل الرسمة صدقني. تقع بالضبط بين الكاريكاتير والواقعي. رسمة تبرز العينين دون إفراط. تومئ إلى اتساع ملفت للنظر، لكنها لا تفرط في التعبير. طبعًا تعرف أين سأذهب بهذه الفكرة. حاولت تعلّم الرسم في مرحلة ما من حياتي وفشلت تمامًا.

يدي لا تطاوعني. في حياتي كثير من الرسامين. أراقبهم وهم يرسمون وأشعر بالفزع. كيف يحدث ذلك. خطي سيئ كمان. يدي لا تطاوعني. يدي لا تسمح لي بالسيطرة على القلم وتوجيهه كما أريد.

أرسم البنت. ثم أعطيها الرسمة بمنتهى الكاجواليتي في الدنيا. كاجوال الكاجوال. لا أحاول حتى إثارة إعجابها. لا أحاول أن أعزمها على فنجان قهوة، لا أحاول أن أقنعها بالخروج معي لنشرب قهوة، لا أريد أن أخليها تقابل أمي ولا أن تسافر إلى آخر الدنيا لتقابل عائلتي في مصر.

لا أحاول فعل شيء. أنا عابر سبيل في مدينة غريبة، لا أتحدث لغتهم ولا يتحدثون لغتي. وفي هذه اللحظة، تتقاطع طرقي أنا وهذه النادلة الحسناء. أرسمها، وبمنتهى الكاجواليتي، أعطيها الرسمة وأتمنى لها يومًا سعيدًا.

تحتفظ هي بالرسمة طول حياتها. تضعها في درج ما وتنساها. تمر سنوات، أكون أنا في ركن ما من العالم لا من المقهى، يفتح طفلها الدرج ويكتشف هذه الرسمة ويسألها عنها، فتتذكر هي كل شيء فجأة. ذلك الرسام الوسيم الذي أهداها الصورة ومشي دون كلمة. كاجوال جدًا.

لم يحدث أي من هذا طبعًا، وغالبًا لن يحدث. اكتشفت أنني لا أحب الرسم. أحب صورة الرسم. أحب شكل الرسم. لكنني لست رسامًا. يدي أولًا لا تطاوعني. وثانيًا لا أحبه أصلًا.

صرت كاتبًا. أكتب عن الأشياء. ومن بين الأشياء الكثيرة التي أكتب عنها أتجنب أن أكتب عن نفسي، حتى عندما أكتب عن نفسي. ومن بين الأشياء التي أكتب عنها أكتب عن العلوم مثلًا. ولأني جبان في كثير من الأحيان أجد نفسي أكتب عن نفسي وأنا أكتب عن العلوم.

أكتب عن مندل مثلًا، عالم الوراثة الذي اكتشف كيف تنتقل الصفات من جيل لجيل، فأجدني وأنا أكتب عن مندل أكتب في الحقيقة عن أبي. بابا. الرجل الذي انتقلت لي بعض صفاته. نصفها على الأقل. أكتب عن مندل وخجله وموته الذي لم يعرف به أحد، وأفكر في أبي الذي مات ولم ينقلب العالم رأسًا على عقب. عادي. مات. مهما كان جميلًا.

أخذت نفسي بجدية مؤخرًا. ألزم نفسي بكتابة ٣٠٠ كلمة كل يوم. كل يوم بلا استثناء. مهما كنت مرهقًا ومتعبًا ومخنوقًا وحزينًا ومشتتًا وغاضبًا ووحيدًا وبائسًا ومرتبكًا وخائفًا. ٣٠٠ كلمة. بنيت يومي على هذا الالتزام.

إن لم تأخذ نفسك بجدية، قل لي بالله عليك من سيأخذك بجدية؟

لو أنك تقول إنك كاتب، فلتكتب يسطا. أحيانًا.. أظن دائمًا.. لا أجد ما أكتبه. فأبدأ بوصف الأشياء حولي. الغرفة، الباب. مرة بدأت وصف محتويات الثلاجة. المهم أن أكتب.

تقول لي أستاذتي: الفكرة كلها أن تتعلم كيف تفعل الأشياء بشكل سيء. أظنها تقصد أن أتعلم فعل الأشياء حتى أتقنها، فتصحح لي: لا. أقصد أن تتعلّم كيف تفعل الأشياء بشكل سيء. أن تكتب، عمدًا، جملة رديئة. أن تكتبها وأنت تقصد أنها رديئة. أفعل ذلك الآن. أكتب أشياء رديئة متعمدًا.

هذه أفكاري، وهذه كتابتي. أقول لنفسي، وهذه الدنيا، لا أملك من الأمر شيئًا. سأكتب أشياء رديئة، وأكون كاتبًا رديئًا.

سأظل أرسم أشياء غير جميلة، وأنتج النشاز الذي أضايق فيه كل من البيت، على أمل أنني في لحظة ما، سأنتج لحنًا يسمعه شخص ما في الصالة فينتبه ويقول: أخيرًا.

شارك