”ليس هناك شيء مثل تعلم لغة جديدة يمكنه أن يذكرك بكيفية تمكن العين من أن تكون خفيفة الحركة وطليقة، وكيفية تمكن اللسان من أن يكون عنيدًا وأخرق.“
– هشام مطر
كان ذلك ساعة الغداء، قلت شيئًا ألمحت فيه إلى عجبي من أمر بوصفي «أجنبيًا/Ausländer»، للفظ عادةً ظلال قاتمة من حيث استخدامه في بعض الأحيان للنبز والسب، ألقيته غير مبالٍ، لم يخطر ببالي سواه ولم ألتفت لحمولته الكريهة…
كان يمكن للأمر أن ينطوي في ثنايا الحديث المسترسل دون أن ينال اهتمامًا؛ رحت أحكي لهم قبلها عن الطريق الجديد الذي تعثرت به بين الحقول الممتدة والآلات الضخمة المهجورة، طريق بدا في قلب اللاشيء!
خضرة على مد البصر وبحيرة متوارية وبط يسبح وزهور مونقة وهم مصغون.
في الحقيقة، لم يكن هناك توقف أو إشارة إلى الأمر، لكني لاحظت أندي المتكدر المزاج دومًا يخبرني بتعبير جديد من اللهجة البافارية (يعلمون جميعًا ولعي بلهجتهم وأمثالها فينتهزون الفرص لإلقائها) وهو «Zugereist»، وراح يشرح لي أنه الغريب الوافد على قرية من خارجها، ثم قال إنه هو نفسه يُعدّ غريبًا على مدينتنا رغم انتمائه إلى الإقليم البافاري…
استلطفت الإشارة، لامس قوله قلبي وخفف من ثقل ما كان يعتريني من قبل. شعرت بالامتنان والسرور، لا سيما لما حاولت نطقها فتعثر لساني فإذا به يقول: «لا تقلق… ستتعلم اللهجة… معنا الوقت كله لذلك!»
انفض المجلس وانقضى اليوم بعد ذلك، وفي طريقي إلى البيت رحت أفكر في علاقتي الملتبسة بهذه اللغة ولهجة أهل ذلك الإقليم، ومنهم أصحابي!
منذ وطِئت قدماي هذه البلاد وأنا أحاول تعلمها. كلمةً بكلمة وحرفًا بحرف رحت ألتقط أجزاءها، متتبعًا اللافتات، أسماء الشوارع، الإشارات على الطرق، منشورات الخصومات في المحلات، أفواه المارة، إعلانات القطارات، ظهور علب الطعام، اللوحات الإرشادية وغيرها.
كنت أضم الجزء إلى الجزء وأحاول، كلما أتيحت الفرصة، أن أذلل لساني بها وأتوق إلى اليوم الذي ينطلق فيه لساني بها.
جرت مياه كثيرة في النهر منذ تلك المحاولات الأولى، واصطكت تروس مخي وقعقعت مرارًا في أحاديث مبتسرة وتواصل متكسر حتى قدمت على عملي الأخير.
قال لي هرمان (مديري العنيد) منذ اليوم الأول: «لا للإنجليزية». كان يكن لها عداءً مريبًا، يحسن الحديث بها، لكنه رفض أن نتعامل بها معًا، أراد نفيها وحسم الأمر لصالح الألمانية حتى لو اقتضى ذلك تمتمة وغمغمة وتكرارًا ومخاطرة بالفهم الخاطئ.
كان هناك رهان على شيء ما، على التكرار؟ على الضجر؟ على مرور الأيام والاعتياد؟
كل ذلك وغيره جائز، لم أعترض من حيث المبدأ، فهذا ما كنت أريد على أي حال. أبديت تخوفي وقلقي؛ في النهاية، أن تلقي كلمتين شيء وأن تتحدث طوال اليوم شيء آخر. قال لي:
”Es ist noch kein Meister vom Himmel gefallen“
كتبت وراءه: «ليس هناك من يسقط من السماء خبيرًا»، لكني كل يوم كنت أشهد اللغة تتساقط عليّ وتستقر في حجري، ألتقط ما أستطيع وأعيد توظيفه في حديثي. اضطربت مشاعري واختلطت، أرتفع في يوم إلى عنان السماء، وأهوي في التالي من حالق..
أعوض عجز لساني بالابتسام حتى تقلصت عضلات وجهي، تعلمت فنون الضحك بغير سبب، وصرت خبيرًا في ترصد الوجوه ومتابعة ملامحها لأعرف من خلالها ما إذا كان يفترض بي الضحك أم العبوس.
أدرب ملامحي على شيء من الغموض بحيث لا يبدو عليها جهلي ولا أنني فهمت كل شيء كذلك؛ ادعاء الفهم مستفز على كل حال!
لطالما استمعت لشكوى من حاول تعلم الألمانية. لم تكن يسيرة (لم تزل غلسة ههه)، عليّ الاعتراف بذلك، لكني كنت أحبها مع كل حرف أتعلمه.
لم أدرِ هل صرت أحبها حقًا أم أحب ذلك الشعور بفهمها. كانت الكلمات في أذني يومًا بعد يوم تتفتح كالأزهار، ينقشع شيء من الظلمة ويطلع شعاع من نور.
رحت أمارس اللغة من ثَمّ بالغمر وفنون المحاكاة كما يفعل الصغار، أسمع الكلمة في موقف فأرددها في مثله دون أن أعرف حتى ما الكلمة أو كيف تُكتب.
حيّاك الله «grüß Gott» عند الصباح وفي رعاية الله «pfiat di» عند المساء؛ أستلطِف تلك الأنسام الدينية المتسللة إلى اللغة اليومية والمنسربة من بقايا حياة قديمة كان الدين فيها أقوى حضورًا فانحسر مع الأيام.
أضيق أحيانًا بعجزي عن الفهم الكامل، وبالأخص ساعة الغداء حيث يعسر الإمساك بالسياق؛ يقفز الحديث قفزات غير منطقية ولا يخضع لغير الاسترسال والاستطراد.
تتيه كل دلائلي وتتسرب من بين يديّ العلامات التي حاولت اصطناعها، تصبح الوجوه قفارًا خالية من كل هداية، وعلى وجهي ابتسامة بلهاء أمطها ما استطعت في محاولة للاختباء من العيون.
قالوا يومًا في ثنايا حديثهم: «Gute Dinge wollen Weile haben»، كررت على نفسي وكتبت وراءهم: بالطبع لكل شيء أوان وكل جميل يحتاج وقتًا ليظهر.
تمرست بالصبر ولملمة التراكيب والجمل، ألاحظ المشابهات وأتوقف عند الإشارات اللطيفة المختزنة فيها.
بتُّ أحس باللغة وتفاصيلها الثرية في نفسي نبتة ألقيت بذرتها ساعة الوصول ولم تزل تتعاقب المواسم عليها وهي تنمو شيئًا فشيئًا، ببطء وأناة.
مع كل زهرة مفاجئة بهجة متجددة، ومع كل ورقة ذابلة شيء من حزن؛ من هذا وذلك تتألف الذكريات وتتشكل الحياة.
أفكر في ذلك إذ أتذكر تلك اللحظات الثقيلة التي خامرني فيها الشك في قدرتي على المواصلة، فضلًا عن إجادة التعبير عن النفس، لحظات تمنيت فيها لو انطوى الزمن ووثبت إلى تلك اللحظة الكاملة حيث تنزلق الكلمات عن أطراف اللسان بسحر ووهج، ناقلةً أدق الخطرات والأفكار والمشاعر..
لحظة لا تقف فيها اللغة عائقًا عن التواصل الإنساني الذي يحتاجه المرء أشد الحاجة وأعنفها، لا سيما حين يندر الأصدقاء وتنأى المسافات وتتصل الغربة؛ لحظات كان يخيل لي فيها أحيانًا أن إدراك تلك اللحظة الكاملة كفيل بنفي الوحشة والتخلص منها…
لم أكن أفكر كثيرًا في أنه ربما كانت لحظات التعثر تلك هي في الأصل ما ينفي الوحشة ويقرب المسافات؛ المحاولات الدائبة والتتعتع وتسطيح المشاعر لدواعي فقر اللغة واللغوصة في الكلمات، كل ذلك هو ما يصنع الأنس، لا لحظة متوهمة من الكمال.
انغمست أكثر، صرت أفهم شيئًا فشيئًا قدرًا أكبر، ينطلق لساني في يسر، أعك في النحو وأخبصه خبصًا وأصنع منه عجينة ولا أبالي (استعنت بحكمة صديق أوصى بترك التأني في مراعاة أدوات التذكير والتأنيث وأنواع المفاعيل اللعينة؛ قال: «ارمِهم بما يأتي على لسانك، تخرب بالطبع الحساسيات الجندرية ويختلط الحابل بالنابل وتتحقق المساواة في الخطل والعك»).
يصحح لي المتحمسون منهم، لكن اليأس إحدى الراحتين. كانت لغتي تتحسن بالفعل، لكن القواعد لعينة على كل حال ولا حيلة معها.
ربما كان ألطف ما في الأمر على الإطلاق حينها كلاوس، ذلك الزميل الرقيق الذي كان يصل كل ما انقطع من قولي بفطنته، يفهمها وهي طايرة، يلتقط الإشارات ويتفهم المقاصد والصورة الكاملة ويبحث عن المعنى وراء ضباب الإبهام والعجمة…
كان ذلك يمسح على قلبي وأرى فيه ألطف صنائع البشر، وصرت أدرك دعوة سيدنا موسى إذ تختمر المشاعر ويحاول العقل أن ينشط من عقاله فإذا باللسان معقود، تتعثر عنده الكلمات والمعاني والأفكار، كما صرت أفهم شعوره فهمَ من يحس بضيق الصدر والاختناق من الكلمات المحبوسة والمعاني المهدورة والمشاعر المسفلتة من فقر اللغة؛ شيء يكاد يذهب بالعقل… لولا الأمل واللطف.
انصرع المصححون واحدًا تلو الآخر؛ بعضهم صار يفهم بالفعل عني ويستعين بالسياق على عكي، وبعضهم استسلم، ولم يبق غير واحد لم تفتر عزيمته بعد.
أحاول التفكير فيما يسمعون مني وكيف يتلقونه وما الذي تبدو عليه لغتي التي أكررها على مسامعهم: هل تمنعهم أخطائي حقًا من الفهم؟
«يحتاج الأمر لمزيد من الصبر»، أقول لنفسي وأفكر في أن الطريق ما زال طويلًا وأن اللغة ما زالت غريبة، لكني لا أثقل قلبي بتلك المخاوف، أقول لنفسي كما قال لي هرمان يومًا:
”Gottes Mühlen mahlen langsam, aber fein und gerecht“
طواحين الرب تطحن ببطء ولكن بثبات…