كنت في السابعة من عُمري، في الصف الثاني الابتدائي، أقف في طابور المدرسة المُعتاد عقب الفُسحة مباشرة عندما قرر مدير المدرسة تكريم الطلبة الفائقين في كل الصفوف.
كنت واحدًا من الطلبة الفائقين طوال العام في الامتحانات الشهرية، بل كنتُ أكثر الطلبة تفوقًا والمُفضَّل لدى أساتذتي، لكنني ولأسباب تتعلق بتركيزي الضعيف منذ الصغر لم أحصل على أعلى الدرجات في الامتحانات النهائية، ولم أكُن من الطلبة الذين كان يُفترض أن تكرِّمهم المدرسة طبقًا لدرجاتهم.
أقف في الصف وأرى كشوف الأسماء تذهب لمُعلمي الصفوف كي يُخرجوا الطلاب الذين وردت أسماؤهم استعدادًا لتكريمهم، وكانت معلمة فصلنا هي الأستاذة هناء أو كما كُنا ندعوها ”أبلة هناء“.
كانت تبدو في مظهرها شديدة البساطة، أظن أنها كانت حينها في منتصف الثلاثينات أو آخرها على الأكثر، ترتدي دومًا خمارًا طويلًا وتنورة واسعة، ولا أتذكر أني رأيتها أبدًا تضع شيئًا من مساحيق التجميل، وجهٌ هادئ لا يشي بشيءٍ على الإطلاق، وعيون طيبة مثل عيون الأمهات في لحظات هدوئهن فقط، وكانت هي معلمة فصلنا الأساسية التي تُدرِّسنا معظم الموادّ.
نظرت أبلة هناء في الكشوف التي تعرف ما بها مسبقًا ثم نادت أسماء أصدقائي المتفوقين، تحركوا أمام الصف، وبدأت فرقة الموسيقى في المدرسة بعزف وغناء أغنية ”جوايز للشطار“، تلك الأغنية التي لم أسمعها منذ ذلك الحين لكنها لا تزال عالقةً في ذاكرتي الانتقائية البائسة.
بدأت الأغنية بالتزامن مع اصطفاف الطلاب في دوائر تتحرك مع بعضها من مختلف الصفوف، وكان أخي الأكبر في نفس المدرسة، وقد نودي اسمه ضمن الطلبة المتفوقين.
نظرت إلى أصدقائي في دائرة صفّنا وأخي الأكبر في دائرة صفه، وشعرت بخزيٍ عميق لأنني لست معهم، طفلٌ في السابعة يريد أن تنشق الأرض وتبتلعه لأنه يشعر أن نتائجه دون المستوى، ويزيد حسرته أنه كان طوال العام يحقق أعلى النتائج، وجميع أساتذته لا يتوقعون له سوى الدرجات النهائية في جميع المواد، لكن لعن الله قلة التركيز والتذاكي أمام أسهل الأسئلة.
مستغرقٌ في أفكاري وفي إجاباتي الغبية التي أفقدتني درجتين كاملتين، محاولًا مواساة نفسي والتمسك بكل ما أعرف عن رباطة الجأش والرجال الذين لا ينبغي لهم أن يبكوا أبدًا، وإذا بي فجأةً أجد يدَ أبلة هناء على كتفي تنتشلُني من أفكاري، لا لتربت عليّ ولكن لتسحبني بسرعة لكي تدخلني دائرة الفائقين في صفي التي كانت لا تزال تدور مع الأغنية.
ولأنني كنت طفلًا مغرمًا بالمثالية ظننت أنها أخطأت قراءة اسمي في الكشوفات، فصححت لها الأمر بكل ما أوتيت من عزة النفس، لتنظر إلي باندهاش وتسحبني بلا مبالاة وتدخلني في الدائرة وأنا لا أفهم ما يحدث.
أدور مع دائرة صفي وفي المقابل يدور أخي في دائرة صفه، فنمر بجوار بعضنا مصادفةً وأشعر للحظات قليلة بأنني متفوقٌ مثله ومثل أصدقائي في الصف، لكنني أُدرك في أعماقي أن ثمة خطأ ما في الأمر، أنا مُحتالٌ صغير وسينكشف أمري في لحظة.
وأفكر والأغنية في الخلفية لماذا ارتكبت أبلة هناء هذا الخطأ، الآن حين تُنادى الأسماء ستُفضح حيلتنا وسيسبب لي ذلك إحراجًا أكثر، يا الله، لعن الله قلة التركيز والامتحانات والجوائز والمدرسة كلها.
تقترب الأغنية من نهايتها ويزداد معها توتري، الأغنية واضحة تمامًا، الجوائز والهدايا للشطار وأنا لست منهم، على الأقل هذا العام، وأفكر في طريقة للهرب قبل أن ينادي مدير المدرسة الأسماء ويحمرّ وجهي أكثر، وأظل موصومًا بالغش إلى آخر عمري.
تنقذني يدُ أبلة هناء ثانيةً، في جزء من الثانية وفي اللحظات الأخيرة قبل انتهاء الأغنية، تضع يدها على كتفي وتسحبني بنعومة مذهلة لتدخلني في الصف وكأن شيئًا لم يكن.
تنفست الصعداء قليلًا وزال قلقي، لكنني لم أفهم لماذا فعلت أبلة هناء ذلك، ومن سمح لها؟ وهل المدرسة على علم بالأمر؟ تُنادى أسماء الطلاب، يحصلون على جوائزهم، نصفق لهم ونصعد إلى فصولِنا وأنا في نفس تلك الحالة من الاندهاش لكن مع درجة أقل من الخزي.
تدخل أبلة هناء الفصل، تبارك لكل الطلبة الفائقين وتهنئهم بحرارة على مجهودهم، ثم تتوقف لحظة وتقول: ”لكنني أرى أن هناك طالبًا كان لا بد أن يتم تكريمه نظرًا لتفوقه الدائم، لكنه للأسف لم يحالفه التوفيق في الامتحانات ولذلك قررت أن أكرمه اليوم بينكم“. ونادت اسمي، فوقفت وأنا في غاية الخجل، عيون زملائي كلها مسلطة عليّ، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت نفس الجائزة التي وُزِّعَت على زملائي، منحتني الجائزة وطلبت من الجميع أن يصفق لي.
الآن أنا في الرابعة والثلاثين من عُمري، لكنني لم أتجاوز أبدًا تلك اللحظة الاستثنائية، ذلك الإنصاف العزيز الذي لم أمر به ثانيةً في حياتي، الشعور بأن ثمّة شخصًا ما يرى مجهودك، يُقدِّر سعيك، ويجزيك عليه بغض النظر عن النتائج التي حققتها.
ما زلت متوقفًا عند اللحظة التي انتزعت فيها يدُ أبلة هناء شعوري بالخزي ليحل محله شعوري بالفخر والتقدير، تلك اللحظة الاستثنائية التي شعرت فيها بأنني أُرى وبأن أحَدَهُم ينظر إلى ما هو أبعد من النتائج التي كثيرًا ما خيَّبت وما زالت تخيِّب توقعاتي.
أتساءل الآن في حيرة ما الذي دفع أبلة هناء لفعلتها تلك؟ هل كنت مثيرًا للشفقة إلى ذلك الحد؟ أظنني لم أكن كذلك.
ما الذي يجعل معلِّمة تحاول بكل ما أوتيَت من قوة أن تفعل ما لم يُطلب منها أبدًا وما لم تكن ستُلام إن لم تفعله مطلقًا؟
ومن أين أتت بذلك الإصرار على إنصاف طفل صغير لم يُظلم أصلًا؟
كيف جازفت بإدخالي في صفوف الفائقين وإخراجي منها بذلك الشكل المذهل الذي لم يلاحظه أحد؟
وماذا قالت لمدير المدرسة بعد انتهاء الطابور لكي تأخذ جائزة مماثلة تمنحها لي مباشرة قبل أن يتسرب الخزي ثانيةً إليّ؟
والأهم كم شخص في عالمنا كان من الممكن أن يتصرف مثلها؟ وأن يختار الفضل ولا يكتفي بالعدل، من أصلًا يعتبر ذلك الموقف مشكلة لا بد من التدخل لحلها؟ ومن لديه في قلبه وعقله مُتَّسع لحساسية طفلٍ صغير تجاه تكريم تافه على أغنية مملة مثل ”جوائز للشطار“؟
نعيش في عالم يعبُد النتائج، لا يهتم أحد مطلقًا بالنظر فيما وراءها، ولا يعتني أحد بمن يسعون بكل إرادتهم لتحقيقها ما داموا لم يحققوا منها شيئًا، بينما يقدّس الجميع أيَّ نجاح حتى لو كان موروثًا بالكامل.
مرت السنين وظللت على حالي من الاجتهاد الحثيث في كل ما أفعل، وظلت النتائج كعادتها تنصفني أحيانًا وتخذلني في أحيان أكثر، مثلي مثل الجميع في ذلك مع اختلاف طفيف في الحظوظ طبعًا.
ومع كل خذلانٍ لها أندم وألوم نفسي ويعاودني ذلك الشعور بالخزي وأستشعر رغبة أعمق في أن ينصفني أحدهم، أن يتحدث بكلمة طيبة في حقي، أن يثني على مجهودي ويغض النظر عن الإنجاز النهائي، لكن الإنصاف عزيز، وحياة الكبار مثلنا ليس بها مجالٌ لذلك الترف.
تمنيت كثيرًا أن أقابل أبلة هناء لأشكرها على تلك اللمحة العابرة في حياتها والتي على الأغلب لن تتذكرها أصلًا، تمنيت أن أقابل أحدًا من أبنائها ولو واحدًا لأحكي له عن أرقّ إنصاف حصلت عليه في حياتي، وأجمل مؤازرة وتشجيع نلته على الإطلاق، لكن تلك الأمنية ظلت مجرد أمنية إذ عرفت أنها تركت المدرسة منذ سنين طويلة، ولا أعرف أين ذهبت ولا كيف عاشت، لكنني واثق أنها حيثما حلّت حلّ معها الكثير من الخير والإنصاف.
وأخيرًا أتساءل ماذا لو كان في العالم الكثير من أبلة هناء؟
تلك العين التي ترى ما وراء النتائج، واليد التي تتحرك لتعدل الموازين ليس فقط من أجل إقامة العدل وإنما لتفعيل روحه، والقلب الحسّاس الذي لا يستطيع إلا أن يشعر بألم الآخر مهما أمعن في إظهار رباطة جأشه.
على كل حال، أتمنى إن كانت في عداد الأحياء أن تهنأ بعيشتها، وأن تكون في أفضل حال، وإن كانت في عداد الأموات أن يتولاها الله برحمته الواسعة ويثيبها عمّا منحته إيّاي من الأمل في أن يصبح العالم أكثر إنصافًا يومًا ما.