منذ صغري تتبعتُ ثلاث نجمات تستقر في صفٍّ خلف بعضها في السماء، من بلكونة منزلي. أظن أنها أشعرتني بالأمان، فطالما رفعتُ عيني إلى السماء ورأيتُها فأنا في أمان.
كانت السماء تطل علينا من بلكونات وشبابيك منزل عائلتي في بلدتي الصغيرة، فيما اعتادت عيناي النظر إلى أعلى والحملقة في النجوم وتتبع مساراتها.
في منزلنا توجد ثلاث بلكونات كل واحدة منهم تُطل على ركن مختلف من الشارع الذي نقطن فيه، لكن البلكونة التي أتمكن من رؤية النجوم فيها كانت تلك التي تواجه المسجد.
تربيت طوال حياتي أمامه، أسمع من خلاله الآذان مع كل ميقات صلاة، إحساس بالأمان والسكينة يعتريني داخل بيتي، فمَنْ في حظي يطل على مسجد جميل وسماء مفتوحة! الحمد لله أنها مفتوحة حتى الآن، أخاف أن أحسدها، مع حُمّى بناء العمارات الشاهقة، لا تزال المباني في شارعنا ذات ارتفاع محدود، مما يُمكنني من رؤية السحب والنجوم.
لم أفكر قبل مغادرتي إلى القاهرة في معنى كلمة بيت، أي قبل نحو 19 عامًا. تركتُ منزلي واتجهت إلى العاصمة للدراسة الجامعية، منذ ذلك الحين تنقّلت بين شقق كثيرة، منازل لم تكن منزلي، ومبانٍ لم أشعر فيها يومًا بالاستقرار.
في البداية عشت لمدة عام في منزل خالتي، ربما شعرتُ ببعض الأمان هناك، ففي النهاية كنت أعيش مع أقارب لي. بعدها ذهبت إلى المدينة الجامعية؛ أي أن كل ما تملكه هو غرفة صغيرة جدًا، تضم سرير ذو دورين، ودولابين ومكتبين من الحديد.
كانت السماء تبدو كقطعة بسيطة من شباك الغرفة، فقدت قُدسيتها، لم تكن بهية كما هو حالها من شرفة منزلنا. أسفلها استقر النخل، فيما سكن فوقها الغربان الذين آلفتهم كجيران خلال تلك الفترة.
حقيقة لم أفكر في معنى السماء إلا مع استقراري في القاهرة وعملي هناك، فحتى خلال الدراسة الجامعية كنت أعلم أنها فترة مؤقتة، لقد جئت من أجل الدراسة وسأغادر مرة ثانية، لكن الأمر اختلف بعد ذلك.
بعد انتهاء الدراسة الجامعية استقريتُ لأجل العمل، سكنت للمرة الأولى في شقة مع زميلات أخريات، كنا تسعًا في شقة واحدة، نعيش في منطقة فيصل، تلك المنطقة اللعينة التي أتمنى زوالها تمامًا.
من نافذة الغرفة كنا نرى العمارة السكنية التي تُبنى، لكنها لم تحجب السماء عنّا، ظلت السماء رفيقتي في فيصل، تؤنسني في الليل، وفي ليالي الصيف كنا نفتح الشباك على وسعه، أحيانًا ننام وهو مفتوح، فلم يكن المبنى قد أُتمّ بناؤه بعد.
ظلّت نجماتي مستقرة كلما رفعت نظري إليها، كذلك القمر، ربما خفّف ذلك عني الشعور بالوحدة، فبعيدًا عن الأهل كان الإحساس بالوحدة والغربة والوحشة رفيقاتي اللاتي لا يفلتن يداي.
ربما يضحك أحدكم قائلًا: ”غربة ايه، انتي مسافرتيش برة بلدك!“، سأرد عليه قائلة: ”طب أعمل ايه وأنا جدتي كل ما تشوف وشي تقولي ربنا يخفف عنك غربتك؟!“ كنتُ في نظر عائلتي أعيش في غربة، رغم أن المسافة بيني وبينهم لا تبعد سوى أربع ساعات، وأراهم كل أسبوعين أو ثلاثة.
لم أكن في نظر أهلي فقط أعيش في غربة، فحتى الدولة بشكل شبه رسمي والمجتمع يُطلقان عليَّ لفظ ”مغتربة“، وكم أكره تلك الكلمة!
لا أفهم حتى الآن سبب تسمية الشخص الذي يعيش في مدينة غير مدينته مغتربًا! وكأن لا بد من وصم ذلك الشخص أو نُمعن في إشعاره بالغربة، فإذا كنت أنا أحس بتلك الوحشة، فما بال الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن أهله وناسه!
بعيدًا عن تلك السفسطة اللفظية، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في إحساسي بالغربة بالفعل، لم أشعر بتاتًا داخل أي شقة سكنتها أنها بيتي، حتى الشعور بالأمان الذي لا أعرف كيف أصفه، لا أحسه سوى في بيت أهلي. شعور كأنك لست بحاجة للالتفات وراءك، أعضاء جسمك تشعر بالسكينة، وقلبك لم يترك مكانه.
لطالما شعرتُ بالأشباح من حولي، تحديدًا خلفي، فهناك من يقف وراءي ينتظر الفرصة المواتية للهجوم عليَّ، أراه بعين ثالثة محلّها عقلي. أحيانًا يسير بجواري كأنه رفيقٌ لي. وأحيانًا ثالثة يُطلّ عليَّ من سقف الغرفة كظل جاثم للأبد.
بعدما سكنت شقة فيصل لأربع سنوات، انتقلت إلى أخرى، لم تحتوِ غرفتي نافذة، وبالتالي لم يدخل حتى الضوء إليها. وقتها عرفت معنى أن تحيا في مساحة تدخلها أشعة الشمس، وعشت في لعنة الإضاءة النيون في النهار والمساء. أعتقد أن تلك الفترة صاحبني الاكتئاب كرفيق جديد انضم إلى قائمة أصدقائي.
لم أستمر في تلك الشقة سوى ستة أشهر، بعدها انتقلت إلى أخرى، فيها نبتت ثلاث نوافذ، اثنتان داخل الغرف، والثالثة تُطل على ”منور“ العمارة.عجيبة كلمة ”منور“ وأنا أتأملها الآن، فقد اشتُقت من كلمة ”نور“! غير أن ”منور“ عمارتنا كان مُظلمًا على الدوام.
كانت أرجاء الشقة تعيش في ظلام دائم، ما أصل يعني إيه شقة لا تضم بلكونة واحدة؟! تعامل فيها الشمس كشيء مُحرّم! أدركت حينها قسوة القاهرة على أهلها، فالبلكونة تعني في العاصمة رفاهية مبالغ فيها، يكفيك سقف تعيش تحته! نور ربنا هنا رفاهية.
أطلّت نافذة غرفتي ذات الجدران البنفسجية على شقة أمامها، حيث سكنت في شارع ضيق جدًا، كنت بحتاج ”أشبّ“ كي أتمكن من رؤية جزء ضئيل من السماء، تناسيت السماء حينها، اعتبرتها شيئًا كماليًا.
في شقتي الحالية تدخل الشمس على استحياء، النافذة التي تستقر بالصالة يقف أمامها في عناد راسخ مبانٍ سكنية عدة، مما يحجب السماء تمامًا، لكن الشمس تزورنا من وقت لآخر، الحمد لله.
أما غرفتي فتحتوي على بلكونة جانبية، كأنها تفصيل ثانوي لا حاجة للساكن بها، أتناساها أغلب الوقت، وأحمد الله على وجود الشمس داخل الصالة كضيف محبب للنفس، أو تلك الضياء الخفيفة التي تسقط علينا من سماء لا نراها.
أبحث عن معنى كلمة ”بيت“ في المعجم، أحاول معرفة تفسير حبي لتلك الكلمة، فكل الأماكن التي سكنتها شقق، ماعدا منزل أهلي فهو البيت. جاءت كلمة ”بيت“ من الفعل الثلاثي ”بات“، و”بات فلان“ أي أدركه الليل، فنام أو لم ينم، كما يذكر المعجم.
أجد في معجم الرائد أن ”بيت القصيدة“ هو ”أجود أبياتها“، يستقر في قلبي وذهني ذلك المعنى الجميل، ويعطيني ما أصبو إليه. إ
ذًا فإن المكان الذي نشأت وتربيت فيه وسط أبي وأمي وأخواتي، هو البيت! وكل ما عداه يمكن تسميته بأي شيء آخر.
ربما أشعر بتلك الحميمية مع كلمة ”البيت“، لأن منزلي الذي تربيت فيه سكانه دائمون، لم يتركوه حتى الآن، كما لا يوجد إيجار ندفعه شهريًا، أما الشقق التي سكنتها فالمقيمون بها مؤقتون. انقضت خمس سنوات في الشقة التي أسكنها حاليًا، غادرني زميلات كثر، أما أنا فلا زلت أعيش بها.
داخل تلك الشقق التي سكنتها، اختفى بداخلي الشعور بالأمان والاستقرار، أنام بعين واحدة طوال تلك السنوات، ولا أرتاح فعليًا إلا في بيت أهلي.
حيث تضمني السكينة والهدوء، أنام قريرة العين، وفي الصباح أقف على حافة البلكونة لآخذ نصيبي من أشعة الشمس الحنونة. وحينما أدخلها ألتفت نحو مئذنة الجامع التي أصابها الزلزال يومًا فأجدها ما زالت قائمة، فأطمئن.
أما في الليل فأتفحص السماء بحثًا عن النجوم الثلاث، وحينما أجدهم في موقعهم، كأنما لم تمر تلك السنين عليهم، يهنأ قلبي.