استجمعت الشجاعة الكافية لقراءة سيرة محمد أبو الغيط بعد تفاديها منذ صدورها. يطرح في الفصل الأول سؤالًا أساسيًا لوضع النقاط على الحروف مع القارئ في فصل بعنوان ”لماذا أكتب؟“.
من أسوأ خصالي كبني آدم (احنا لحقنا نقول حاجة طيب؟) أنني أغفل عن هذه الأسئلة الأساسية أحيانًا وأتجاهلها تمامًا؛ لأنه بالتأكيد أجاب عنها من هم أفضل وأذكى وأهم مني، فلا أضع نفسي مع هذه الأسئلة في مساحة نقاش من الأساس، ويصبح الباعث الأساسي بيني وبين نفسي: كدهو، بنعمل أي حاجة عشان أهو… ماشية.
فُوجئت قليلًا بطرحه لهذا السؤال وتفاعله معه؛ لأنه ينتمي إلى فئة من هم أذكى وأفضل مني، المذكورة أعلاه، فأكيد اتفضل يا فندم براحتك، لكنه يعلل كتابته بأن الكتابة ”أهراماته الخاصة“ وصيحته التي تقول: ”محمد أبو الغيط مرّ من هنا“.
بداية مبشِّرة: هذا التعليل يجعل مهمتي كقارئة أبسط ويختصرها في الشهادة فقط، دون أي ثقل مرتبط بالفهم أو الاستيعاب. لاحقًا، بعد الانتهاء من الكتاب، لا أجد مفرًا من الاشتباك مع السؤال الموازي: ”لماذا أقرأ؟“
ولأنني أنا وتصعيد الأمور صديقان مقرّبان، يجعلني هذا السؤال أفكّر في كل شيء تقريبًا قرأته سابقًا. ولأن الوضع على ما هو عليه (مزرٍ)، لا أنفك عن التفكير في استيعابي وقدرتي على استبقاء الأشياء.
أتفاعل كثيرًا مع الأسئلة حول دور الإنسان في وجود الآلة أو فكرة الآلة الذكية التي تستطيع تنفيذ مهام الإنسان بكفاءة أعلى منه: ماذا يبقى للإنسان إذًا؟
أستحضر مقالًا قرأته عن ريك روبين (منتج موسيقى لم يتعلم الموسيقى بشكل ممنهج قط) وكيف أنه نموذج لمستقبل العمل. ماذا لدى الأستاذ ريك ليقدّمه للعالم؟ وعدم اللا مؤاخذة، الـvibes.
يمتلك ريك إحساسه وخبراته التي شكّلها باستكشافه لما يعجبه وما لا يعجبه، ويقول إن أثمن شيء لدى الإنسان هو قدرته على التذوق، معللًا أن الماكينة قد تسرد كل الإحصائيات وتعرض حلولًا عملية بناءً على مقارنات حقيقية، لكنها لن تمتلك أبدًا الحس البشريّ الذي يستطيع تمييز ما يعجبه.
أفكّر في نظريته بقليل من التشكك، لكنها تبدو مقنعة. هل لدى الإنسان غير إحساسه الذي يطوّره بدأب؟
حضرتني هذه الأفكار لسببين في كتابة محمد أبو الغيط. الأول هو استشهاداته المتعددة في ثنايا الكتاب بالشعر والأغاني والأمثال؛ هذا ما حفظه وهذا ما شكّله.
لم يحتج إلى أن يتوقّف ويبحث عن أبيات شعر مناسبة أو أن يبحث على هاتفه عن ”أفضل ٥ أبيات شعر رومانسي“ حين احتاج إليها، بل تحضره بكل بساطة أشياء من معجمه الذهني في المواقف المواتية.
ينقل الصورة نفسها عن أبيه كذلك؛ إذ يحكي أن أباه اقتبس بيت الشعر التالي حين تقدّم لطلب يد أمه: ”ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها … كفى المرءَ نبلًا أن تُعدّ معايبه“. هذا ما يعرفه وما استبقاه وما شكّله وما حضره.
أفكّر كثيرًا في الاستبقاء في السياق التعليمي (ربنا يتوب علينا) حين يسألني الطلاب عن فائدة حفظ بعض المفردات إن كان بإمكانهم البحث عنها بشكل فوري، وأحيانًا ما يسألونني عن فائدة الترجمة برمتها إن كانت الآلة تترجم بكفاءة. مصيبة.
أجيب عن هذا السؤال بإحباط؛ لأنه أحد الأسئلة التي لا أشتبك معها بشكلٍ واعٍ، إذ إن الإجابة بديهية (انظر الإشارة إلى الخصال السيئة أعلاه)، وغالبًا ما تخرج الإجابة مني على هيئة ”كدهو، يلّا نترجم واحنا ساكتين“.
أفكّر في الموضوع في سياق التعليم الأساسي أيضًا. أسأل ليلى ذات الأعوام الستة عمّا تعلّمت في أسبوعها الأول في الصف الأول الابتدائي فتجيب: ”ولا أي زفت“، وأظن أنها إجابة كافية ووافية، الحقيقة.
لكن بالعودة إلى موضوعنا، فذهن أبو غيط الحاضر واستشهاداته الممتازة يجعلاني أشعر وكأنني أعرفه حق المعرفة بسبب عذوبة ما استبقاه. والسبب الثاني مترتب على الأول، وهو ما يصفه في كتابه بالضوء:
أقول إنه مترتب على الأول؛ لأنني أظن أن هذا الجوهر الإنساني مترتب على ما يستبقيه الإنسان ويتشرّبه حقًا، ما يظن أن له قيمة أكثر من أن يكون عابرًا ولحظيًا، فيمنحه من وقته وذهنه ما يكفي للتفاعل معه، فيحفظه ويبقي صورة منه في ذهنه، سواء كانت تلك الصورة هي الحقيقة أم لا (موضوع بعدين بقى).
وبالعودة إلى السياق المهبب الذي نعيش فيه، يرتبط هذا في ذهني بما قرأت عن تجربتنا كأفراد مع الوقت ومروره. يشرح الفيلسوف الألماني الكوري المولد بيونج تشول هان في كتابه اختفاء الطقوس أننا أصبحنا نعيش في حاضر مستمر بسبب غزارة ما ينتجه العالم من أخبار ومحتوى وإلهاءات.
يقول إننا نحتاج إلى أن نجعل الوقت قابلًا للمعيشة فيه (habitable) عن طريق الطقوس، بمعنى أنه يجب علينا أن نختبر الأحداث بشكل دوريّ لا لحظيّ لنشعر بمروره، وحبذا لو فعلنا ذلك وسط مجتمع يشاركنا ضمنيًا أهمية تلك الطقوس.
لن أستطيع أن أستحضر أي أمثلة من الكتاب؛ لأنني توقفت عن القراءة عند هذه النقطة، بكل أمانة. لكنني أفكّر في طقوس محمد أبو الغيط في حديقته التي اعتنى بها رغم كل شيء، وفي طقوس الكتابة التي أخذت أشكالًا مختلفة حسب مقدرته.
أتساءل عمّا يشكّلني وعمّا أستبقيه في ذهني وما يحضرني: جدول الضرب، شكل الجعبوق، آيات قرآنية أتذكّرها لأسباب شتى، وصفة لسان عصفور بالمشروم، رقمي القوميّ، رقم هاتفي، أول فقرة من كتاب الغريب لكامو بالفرنسية (بتضحّكني)، أمي وهي تلحّن: ”إن الذي يرتّب متاعه لا يتعب، فكل شيءٍ عنده في موضعٍ أعدّه“، وفي الإلخ منّه…
لا تعلق الأشياء بذهني بسهولة. قدرتي على الغناء عادةً لا تتعدّى الكوبليه الأول إلّا إذا كانت أغنية مهمة حقًا، أو صادفتني في مرحلة نمو حرجة، أو صادف أن أعدتها حتى الحفظ غير الواعي لسبب ما. يضحك أصدقائي دومًا من هذا الأمر، خاصةً أن ما أحفظه عادةً ما يكون غير منطقي.
يشتبك أبو الغيط مع قضية النسيان والحفظ أيضًا:
يقتبس بعدها مثالًا من كونديرا، فأتذكر أنني قرأت أحد كتب كونديرا ولا أذكر منه سوى مشهد ذهبت فيه إحدى الشخصيات إلى وقفة احتجاجية لأنها أرادت أن تكون جزءًا من حدث عظيم (أو لتقابل شخصية أخرى؟)، لا لأي سبب سياسيّ.
هذا السياق يجعلني أفكّر أيضًا في كتاب ”التابع ينهض“، وفي أهمية الذاكرة والسرد للمقاومة. أنظر إلى مكتبتي فلا أذكر إلا لمحات.
أنظر إلى كتاب باب الشمس (ومن العجيب أنني شاهدت الفيلم بعدها ولا أذكر منه سوى أن الضمادات في بعض المشاهد كانت سميكة بشكل عبثي) ولا أذكر سوى شخصية زوجة كانت تذهب إلى زوجها في منفاه في الصحراء وتأتيه بالثياب والطعام، فيشكو إليها الوحدة وعدم رؤيته ابنهما، فتجيبه بأنها تحوك ثياب الطفل بالباقي من القماش الذي تحوك به ثيابه، وتواسيه هذه الفكرة لأنها تُشعره بالارتباط بابنه رغم كل شيء.
أنظر إلى الحرافيش (الرؤية هنا مجازية للأمانة العلمية، قرأته على الكندل) فلا أذكر سوى جلال صاحب الجلالة ومئذنته وكيف هُدمت بعدها، وأذكر تفكيري في تواتر الأجيال ونشأة الخرافات بشكل عام.
أنظر إلى ”كيف تلتئم“ فأذكر الصور المُتضمنة فيه عن الأمهات اللائي يحتضنّ الأبناء بعد ارتداء ملاءة؛ لكيلا يظهرن في الصور ويبقى الأبناء ساكنين وهادئين.
أذكر إيمان مرسال وهي تكتب عن يوسف طفلها الذي يعاني الاكتئاب حين استنكر عدم إجابتها عن تفاصيل زمان أو مكان كانا فيه معًا، وحين سألته تبيّن أنه كان يشير إلى حلم، وأنه توقّع أنها ستجيبه لأنها كانت معه، فسيكون لديها الإجابة بالطبع.
أنظر إلى كتاب سيدات القمر فأقول إنني لا بد أن أقرأه قريبًا. أحمله بين يدي فأرى في داخله علامات قصيرة لمقتطفات يبدو أنها أعجبتني حين قرأته بالفعل في ماضٍ لا أتذكره. يا فضيحتي!
أذكر لمحات مخجلة في قِصَرها. أشعر بخيبة الأمل لأن الـattention span مابقتش جايبة همّها.
أتساءل عمّا إذا كان يجدر بي أن أقرأ من الأساس، وأفكّر في جدوى قراءة الكتب عدة مرات عبر السنوات لاستكشاف جوانب جديدة منها بتغيّر رؤية الإنسان، لكن هذا يتطلّب أن تتكوّن رؤية أساسية يحفظها الإنسان في نفسه ثم يعيد زيارتها، الأمر الذي فشلت فيه مرارًا كما تبيّن.
يغلب عليّ انتصار النسيان في السنوات الماضية لأن عقلي أصبح (أصبح؟) مشتتًا جدًا، لا يجد وقتًا قابلًا للمعيشة فيه على الإطلاق. أحب أن ألوم هذا على مكاني المفضل: ميدان العبّاسية، لكن الإجابة بطبيعة الحال أشمل من ذلك.
طبيعة هذا الكتاب خاصة لأن هذه ليست شخصيات خيالية (مع أنها خيالية في قدراتها في بعض الأحيان في رأيي)، ولكنهم أشخاص ملموسون أرى فيهم لمحات من النفس والأهل والأصدقاء.
من الصعب نسيان محمد وإسراء ويحيى، وقد يُعزى هذا إلى متابعتي لمحمد وإسراء منذ سنوات بحكم كونهما كاتبين غاية في العذوبة.
يحضرني الكتاب حين أفكّر في فرضية ”هذا لا يحدث لمن هم مثلي“، وأتوق إلى أن أقتبس يومًا ما الشعور النوراني الذي وصفه نقلًا عن أمه.
علقت في ذهني صورة ما حكاه عن تضحيات إسراء زوجته المحبِّة للنظافة حين تزوّجا في شقة دون مصعد وصعدا إلى الدور الثامن واتسخ فستانها الأبيض من درجات السلم، وما حكاه عن تحدّي الظروف ليذهب إلى السباحة مع ابنه حين كان ذلك شبه مستحيل.
تركت هذه اللمحات في نفسي انطباعًا أظنه لا يزول بنسيان الأحداث المجردة.
لعلّي تفاديت هذا الكتاب لسنوات خوفًا من صدقٍ استشعرت أنني سأقابله، وقد كان، والصدق يجبرني على احترامه والاشتباك معه بالرغم من كل شيء (وبالرغم من حالة الفرهدة العامة).
ربما لا أجيد القراءة بشكل عام، لكن عزائي أنني أظن أنني كقارئة حققت المطلوب مني في هذا الكتاب:
شهدت على أهراماته وسمعت صيحته التي أثبتت وجوده، وتبقى لمحات منه معي، أنا التي لم يرني ولم يتكلم معي قط.

