ولدت لأبوين موظفين، فكنت طفلًا ”موظفًا“، جاء بعد 10 سنوات من الزواج، هاري بوتر صغير، بنظارة، ضئيل البنية، يهوى القراءة، متفوقًا دراسيًا، وعزوفًا عن أي مغامرة خارج تعليمات الكبار. لكن نفس النظارة كانت غطاءً لا بأس به لمخالفات صغيرة، فهاري بوتر الصغير بالتأكيد لم يكن هو من غامر في مرة، لسبب غير معروف، بصب المياه داخل التلفاز القديم، هاري بوتر لا يكذب، معروفة.
عاش هاري بوتر طفولة حزينة، لكن كانت له عصاه، يطير بها، وله فيها مآرب أخرى، وكنت محبوسًا في دكرنس، على مسافة 18 كيلومترًا من المنصورة الأشهر والأكبر، بلا عصا سحرية إلا الكتب. أمي كانت أول من شجعني على القراءة، وأول من رمى الكتبَ في الكراتين نفورًا من الأتربة، وما تأتي به الكتب من حشرات، وفي مواسم المذاكرة.
أمي لا تقرأ، وأبي لم يقرأ أمامي، لكني في تفقدي الدوري لأدراج مقتنياته صادفت ما جمعه من سلسلة (كتاب اليوم) لعبد الله أحمد عبد الله، ومحمود السعدني. كنت دومًا أقرب لأبي، وقد أتاحت الكتب فرصًا لصلات ومشابهات أقوى وأقرب لمزاجي.
الكتب خلقت فصامًا في شخصيتي، تضاعف بمرور الوقت. لم تكن هناك رقابة حقيقية على ما أقرأ، مجرد الثقة التامة أن الدرجات النهائية معيار أكيد ووحيد على نجاح التربية، وأني ما دمت متفوقًا، ملتزمًا غرفتي، مع كتبي، فأنا على الطريق السليم.
لم يتوقع الكبار أن أول أنثى عارية صادفتها كانت في سلسلة رجل المستحيل، عندما تُجبر البطلة على التعري أمام أوغاد ما (كل أشرار نبيل فاروق أوغاد)، وتنتهي الرواية بانتقام أدهم صبري لتعريتها. كان هذا حلًا مناسبًا لمراهق غِرّ، وأدهم صبري، وانتقام من الأشرار.
تجنبت بصعوبة التفكير في جسد منى توفيق العاري، لكني أحللت أجسادًا أخرى محلها بسهولة. كانت أجسادًا مموهة، بلا تفاصيل، مجرد ظلال لتخيل ساذج عن قدس الأقداس: جسد الأنثى. وكنت في كل مرة أنتقم من الأشرار، كأي أدهم صبري يحترم نفسه.
لم تتوقف القراءة عند الكتب، فصادفت في رحلاتي الاستكشافية الدورية لغرفة أبي مذكرات مراهقته، هذا الوقور الخمسيني وقت اكتشاف المذكرات، الذي خدم في الجيش ثماني سنوات بدأها بحرب اليمن، فالنكسة، فالاستنزاف، حتى أكتوبر، ليخرج من الجيش في 1974 بمكافأة ووظيفة حكومية سمحتا بزواجه، وبمزاج يهوى السكن وينفر من كل تغيير. الموظف الهادئ، المشهود له بحب العزلة والقناعة بالمتع البسيطة، أحَب، وشرِب، وكَتَب.
في رحلة أخرى لبلاد العجائب في دولاب أبي اكتشفت أطرافًا أكبر من قصة عائلتي. بعقلية الموظف، احتفظ أبي بكل ما كتبه من مذكرات لسنوات، وبخطابات من الأعمام والأصحاب، وصور فوتوغرافية مؤرخة وغير مؤرخة، وتفاصيل مصفاة من كل هذا الأرشيف عن جدٍّ هجر الإسكندرية تفاديًا لتوابع قصة حب انتهت نهاية غامضة بموت البنت التي أحبها.
استقر في مدينة صغيرة على حدود المنصورة، حيث مارس الزواج كهواية، فتزوج إضافةً إلى جدتي، أم العيال، مرارًا، حتى صرّح لي عمي في لحظة صفاء أنهم لا يعرفون عدد زوجاته بالضبط، وأن الجبّار تزوج في مرة ثم هجرها، حتى حضرت الزوجة إلى البيت الكبيرة طلبًا للطلاق الذي نسيه بين زيجاته.
نشأت عن هجرة الجد الدونجوان عائلة تفتقر إلى اسم أخير يصلح للفخر، مجرد (عبد الحميد) في نهاية الاسم الرباعي لي، وقد يليه (إبراهيم) أو لا.
مجرد اسم عادي لا يرتبط بمكان بعينه، ولا بمهنة معينة، ولا بأصل تركي ما، ولا بنسب لقبيلة عربية، ولا بأي سردية تتجاوز (عبد الحميد)، والد (عبد العزيز) الذي لم يصلنا من حكايته السكندرية إلا حكايات عن عمة توفيت قبل أن أولد، وأبناء لها نقابلهم في المناسبات والمواسم.
هذا الأصل السكندراني كان شرخًا آخر في قصة حياة مملة، فـالإسكندرية التي أقرأ عنها في روايات إبراهيم عبد المجيد وعلاء خالدورباعية داريل تتناقض كل التناقض مع مدينتي التي وقفت على الحدود بين القرية والمدينة الحقيقية، بشوارع نصفها مرصوف ونصفها ترابي، وأراضٍ زراعية على أطرافها، وترعة أو اثنتان استُبدلتا لاحقًا بصرف صحي مغطى.
كنت أحكي عن إسكندرية لأصدقائي مدعيًا ومتفاخرًا وكاذبًا كذلك، كأني أنا الآخر في حاجة إلى قصة أصل، ككل الأبطال الخارقين، تبدأ من مكان فيه بحر حقيقي، لا مجرد فرع صغير من النيل يسميه أهل مدينتي بحرًا، وحتى الآن تغلبني الطفولة أحيانًا، فأرفع صوتي مقاطعًا حكاية لصديق: على فكرة أنا أصلًا من إسكندرية.
لكن الأصل السكندراني، ومذكرات أبي المراهق سابقًا/ الحاج حاليًا، وجينات جدي، وحُرقة كامل الشناوي، وحواديت عبد الله أحمد عبد الله عن الأبطال الواقعيين للقصة/ القصيدة، ومنى توفيق العارية أمام الأشرار، ووصف يوسف السباعي لقصة الحب بين عزرائيل وحورية من حوريات الجنة في ”نائب عزرائيل“، وكل ما تخيلت أنه يفي باللازم، ضاعف من توتري يوم فوجئت بالبنت الأولى بتلك القبلة.
قبلة أولى متعجلة، ومرتبكة، ودون تخطيط كذلك، سألتها بعدها: زعلتي؟ فأومأت بـ”لا“. وقتها خطر لي أسألها ”طب تاني؟!“ لكن الله ستر، فلم تصفعني البنت، ولم تتكرر القبلة، ولا المقابلة. عدت بعدها منتشيًا، كساحر صغير تعلّم تعويذة للتعالي على مواصلات القاهرة وزحامها وضجتها.
كانت القبلة علامة بداية جديدة، في القاهرة/ مدرسة السحر/ هوغوورتس، حيث لا يعرفني أبو البنت التي قبلتها، وحيث لم ترَ البنت التي جاءت بعدها صورتي في الثانوية، نحيلًا، بعدسات هاري بوتر المدورة التي تأكل وجهي، وشارب أصفر، وقميص مغلق الأزرار حتى تفاحة آدم، والبناطيل القماش طيلة الوقت.
بالتدريج صارت لهجتي خليطًا بين ريفية المدينة الصغيرة وتمدن القاهرة، وتعلمت أن البلد التي لا يعرفك فيها أحد نعمة، لك أن تجري (ملطًا) في شوارعها.
القبلة الأولى فتحت بابًا أمام قبلات تالية ممكنة، طالما المجنونات كثيرات، والأماكن الصالحة متاحة، والتوقيت مناسبًا.
عشت (شقاواتي) في القاهرة، وعاش أبي سنوات (شقاوته) في المنصورة. نفس المنصورة التي كتب عنها أنيس منصور، وعاشت فيها فاتن حمامة. نفس المنصورة تهت فيها يوم 28 يناير.
كنت ثالث ثلاثة، بخبرة معدومة، وبحماس غير مفهوم، نبحث عن مظاهرات لنمشي فيها، بجهل سهّل أن أقترب باعتباري أعبط الثلاثة، لأستأذن عسكري الأمن المركزي في دخول الكردون. لكن أبي وأنيس منصور لم يكتبا في مذكراتهما عن عربات أمن مركزي، ولا خرطوش، ولا عن طريقة آمنة لمغادرة الكردون بعد دخوله.
الكتب كذلك لم تقدم أي خبرة عملية. بالعكس، كانت قراءاتي النهمة لأدب السجون ومذكرات محمود السعدني ومذكرات الإخوان في السجون تحكي عما يحدث بعد المظاهرة، في عربة الأمن المركزي وفي المعتقل، ولم يبشر ذلك بخير. لم يكن في ذهني إلا قائمة أرسلتها صديقة ليلة المظاهرات، تنصحني بلوازم الغد، ضمت القائمة الخل ومضادات الحموضة للحد من آثار الغاز، وكوتشي خفيف لزوم الجري، وجاكت ثقيل ”عشان لما تتضربوا“. لم تقل ”لو انضربتوا“.
أذكر ذلك جيدًا، لأن كل ما شغلني بعدها كان حساب احتمالات كسر النضارة ”لما نتضرب“، وما كان سيحدث لي بعدها. لو كانت عصا هاري بوتر متاحة يومها، لتفاديت الكثير من الجري والغاز المسيل للدموع، وربما كنت قد شاهدت حريق مبنى الحزب الوطني في الدقهلية من زاوية أوضح.
كنت قد تعودت لسنوات على تفادي المشاكل والشجار وكل ما يمكن أن يؤدي لكسر النظارة. كانت كل شجاراتي محسومة قبل أن تبدأ. لكن صاحب العيون الأربعة تعلم أن يؤذي خصمه حتى لو انتهى الشجار في غير صالحه، كالمتوقع.
على هاري بوتر إن فقد قواه السحرية أن يتعلم كيف يضرب أضخم أولاد الفصل في أعز ما يملك، فالتجربة أثبتت أنه سينال نفس العلقة في جميع الأحوال، لكن العلقة ستفوت، وإن لم يمت بلطجي الفصل بعد ضربتك، فلن يكرر أذاك.
وفي يوم التنحي، وقفت وقد دهمني شعور غريب بالوحدة، كأني أخشى الذوبان في الجموع الفرحة، أو أن أفقد ملامحي فأصير مجرد رقم ضمن الحشد. كنت أكثر ثقة بقليل، وأكثر عبطًا بكثير، وأعلى من مستوى الشارع. هذه المرة لم أضع ماءً في التلفاز وأشاهده يحترق لمجرد المشاكسة.
كالقبلة الأولى، كنت جزءًا من شيء لا يخصني وحدي، حدوده غير واضحة تمامًا، وما بعده كان لا يزال في علم الغيب.
للمرة الأولى يواجه هاري بوتر أشرارًا له أن يفخر بمستواهم. اختلط ذلك بهاجس داخلي أني كبرت فجأة، في لحظة واحدة، كأن الحدث الكبير جعلني أكثر وعيًا بالصلع الذي تراكم لسنوات في مقدمة رأسي، والشعرة البيضاء الوحيدة في ركن ذقني. يومها اعترفت للبنت الأخيرة بحبي.
اتصلت بها مهنئًا. لم أخبرها أن صوتها هو نقيض للا إنسانية الحشد، ولا أن ضحكتها الطفولية التي تبدأ بها مكالماتها مخدر مؤقت للهواجس. كان ما بيننا حب متنكر في سياق من المودة الهادئة والصداقة، امتد لسنوات، مودة مهذبة لا تتيح مجالًا لغزل صريح، وكان الكلام عن لا إنسانية الحشد مخاطرة أكيدة بالضحكة الطفولية.
كانت المكالمة كارثية، مقاطعاتُ الهتافات الاحتفالية والأغاني، ثم استفسارات عن الكلام المقطوع.
في الفيلم، انتصر هاري بوتر على فولدمورت، وانتقم لوالديه، وأنقذ العالم، لكنه لم يكمل محادثة مع جيني ويزلي دون ارتباك.
كانت المكالمة تتجه لنهايتها السخيفة المكررة من اطمئنان على السلامة وتمنيات بدوامها. في كل مرة كانت تمر ثانية صمت، كنت أرفع النظارة إلى مستوى عيني، فتهبط منزلقة على أنفي ببشرته الدهنية، فأدخل دائرة الارتباك اللانهائية.
الكلام أصعب من القبلات الأولى، لكنه ضاغط ومُلح.
البنت اللطيفة بالنمش الذي أحبه، لا بد أنها ارتبكت لما قلته فجأة، واحمر وجهها، قبل أن ترد عليّ: وأنا كمان.