تشغلني عادات البشر. من هو أول شخص قرر أنه من الطبيعي أن يمتد سلك كهرباء على الحائط الخارجي لمبنى ما، بل من مبنى إلى آخر؟ وهل تبع ذلك أن مدّ شخص آخر سلكًا تليفونيًا من أسفل البناية إلى أعلاها متجاوزًا شبابيكها كافة؟
ثم أنزل آخر خرطوم تصريف مياه المكيف من أعلى إلى أسفل، غير مبالٍ بالشبكة القبيحة من الأسلاك والخراطيم التي تتكوّن على الواجهة الخارجية للبناية. لا بد أن تكوين تلك الشبكة قد استوقف بعضهم!
ربما حاول بعضهم الاعتراض على استحياء. نظروا إلى القبح الوليد على واجهة البناية بامتعاض عدة أيام. ثم ماذا؟ لا شيء.
ربما بعد بضعة أشهر مدّوا هم أنفسهم أسلاك طبق استقبال القنوات الفضائية من سطح المبنى إلى غرفة جلوسهم!
كان هذا مثالًا قد يبدو في ظاهره تافهًا، ولكن مَن بدأ هذا القبح ثم مَن ارتضاه هم أنفسهم مَن بدؤوا ثم تقبّلوا إلقاء النفايات على جانب الطريق، والسير عكس الاتجاه، والبصق على قارعة الطريق، والبناء العشوائي، وعدم الوقوف في الطابور، وغير ذلك كثير من مظاهر القبح في مجتمعاتنا.
من السهل دائمًا إلقاء اللوم على القانون أو غيابه، وانحدار ثقافة المجتمع وقلة تعليمه، وغيرها من الأسباب التي ترسّخ، من وجهة نظري، أن القبح أصبح إفرازًا مجتمعيًا طبيعيًا، ابنَ المرحلة أو الظروف، بدلًا من السعي إلى فهم تلك الظاهرة، مع أن السبب معروف للغاية.
من أشهر النظريات البيئية والسلوكية التي وضعها عالم السياسة جيمس ويلسون وعالم الإجرام جورج كيلينغ نظريةُ ”النوافذ المحطمة“. تقول النظرية: إذا تُركت نافذة واحدة مكسورة في مبنى دون إصلاح، فسرعان ما يعتاد الناس هذا القبح البصري والخراب، وهو ما يرسل إشارة غير واعية بأن ”لا أحد يهتم“.
وقد أثبتت الدراسات أن الوجود في بيئة غير منظمة أو مليئة بالقبح البصري يجعل الأفراد يعتادون هذا المستوى المنخفض، بل تبدأ سلوكياتهم بالتدهور لتتماشى مع قبح البيئة المحيطة. إذن نحن في حلقة مفرغة، فما العمل؟
تظن، يا صديقي، أنك الوحيد المتضرر، فلا تتحرك لتغيير أي شيء، رغم أنك إن تحركتَ وأزلتَ القبح في نطاق استطاعتك، فعلى الأرجح سيتحرك شخص آخر في محيطك ويزيل هو الآخر القبح من حوله، فتدور العجلة في عكس الاتجاه للأسباب ذاتها التي أدّت بنا إلى حيث نحن الآن.
إن كان لك أن تقاوم شيئًا واحدًا فقط، فقاوم أن تعتاد كل ما هو قبيح، فأنت تستحق أفضل من ذلك.