الثامنة صباحًا
٦٤٣ كلمة

منذ قرابة العشرة أعوام كانت تلك ذكرى أول مرة أركب لوحدي ميكروباص (للدقة سرفيس، وهو ذاته الميكروباص بمساحة شاغرة تسمح بالوقوف وباب مفتوح دائمًا)، كنت في السابعة عشر وفي سنتي الأولى بالجامعة التي تركتها ولكن هذه قصة أخرى.

قبلها لم تطأ قدمي تلك المركبة إلا مرة مع والدتي وأنا صغير في أحد ليالي الشتاء الباردة عندما لم نجد تاكسي يوصلنا.

غير ذلك فمدينتي بأحد محافظات الدلتا كانت لا تحتاج لركوب وسائل نقل، بحكم أني كنت في مركزها والمدرسة وغيرها بالقرب من منزلي، ولأني ”معنديش حياة“ أصلًا تستدعي الانتقالات الكثيرة منذ الصغر.

كانت التجربة في بدايتها مثيرة لا أدري إن كانت مثيرة للقلق أم مثيرة للحماسة، أكتشف عالمًا لم يسبق لي دخوله من قبل، أشعر بـالأدرينالين يتدفق في عروقي وبنبضات قلبي السريعة.

كشخص اعتاد السير على الأقدام وفي أقصى الظروف استقل سيارة المنزل مع أحد أفراده، كان ركوب الميكروباص تجربة ”مجنونة“ للغاية، كيف لي أن أسرع لأقفز في علبة معدنية لكن بعجلات، يقودها سائق أكثر جنونًا، لا يريد التوقف لكن يرغب في صعودك.

مجسدًا كلمات أغنية عمورةأحبك أكرهك أسيبك أندهك“.

المرحلة الأولى

تكمن ”التركّة“ كلها في اصطياد الميكروباص، لا تجعله يصطادك، اقتنص اللحظة المثلى التي يبطئ بها، تستطيع تخمينها ببعض الحسابات الشوارعية، بعملية ”سكان“ سريعة: ابحث عن نقطة الازدحام المروري، المطب الذي سيوقفه عنوة، أو تجمع من كبار السن سيخجل ألا يتوقف لهم..

حينها تندس بخفة ورشاقة لن تمنعك من الاصطدام بجانبي الباب الحديدي، رجة بسيطة لن تترك كدمات في الغالب أو هكذا تتمنى.

المرحلة الثانية

بعد تجاوز المرحلة الأولى بالـ”نط“ داخل الميكروباص تواجه رحلة محفوفة بالمخاطر والأسئلة الأخلاقية وربما الوجودية إذا كنت واقفًا بالقرب من الباب المفتوح على مصرعيه.

في تلك المرحلة يمتزج كل شيء، الدوبامين مع الأدرينالين، لتصبح غير قادر على تمييز شعورك الحالي، لكن سرعان ما يسيطر الرعب عليك عندما تشاهده ”يلم الأجرة“ من ”العروسة اللي ورا“ غير مكترث بأعباء الطريق، حينها تدعو الله أن تصل إلى أمك سالمًا.

ألتقط أنفاسي أخيرًا عندما أصبح أحد الكراسي شاغرًا، جلست لأستمتع بنسائم الهواء التي يتخللها بعض السعادة لتحقيق إنجاز شخصي يتسم بشجاعة لا مثيل لها كركوب الميكروباص.

ولكن لأني ”فقر“ تلاشى ذلك سريعًا عندما صعدت سيدة في عمر والدتي ولم تجد كرسيًا تجلس عليه، بدأ صوت ضميري ”ينقح عليّا“ لكي أترك لها الكرسي، ولكن التوتر الناتج من التجربة الأولى وخاصة أن يدي تنهمر منها الدموع بفعل Palmar Hyperhidrosis“

لذلك سأعاني من الاتزان والباب مفتوح على مصرعيه والسائق متهور ولا يكترث بأعباء الطريق أثناء ”لم الأجرة“؛ فليتولاها الله بقى، لقد انتصر الخوف.

شعرت بوغزة في ضميري لكن سرعان ما ذهبت إذ برجل يقف لتجلس مكانه وحمدت الله على ذلك، سيرتاح قلبي حتى نهاية الطريق.

المرحلة الثالثة

عند اقتراب مكان النزول تركت الكرسي واقتربت من الباب وأنا أنتظر وقوفه بقوة التخاطر، حيث لم أخبره بشيء، وعندما هدأت سرعته ظننت أن هذه إشارة القفز، وحينها نزلت عكس الاتجاه -حيث كنت أحمل هم ألا يصدمني موتوسيكل أثناء النزول- لأجد المشهد التالي هو السماء الزرقاء.

لم يكترث أحد لسقوطي غير سائق دراجة قال لي ”أبقى نط الناحية التانية“ وأكمل طريقه، لم يتوقف حتى ليخبرني بهذه المعلومة العظيمة، ظننت حينها أني سأجد عددًا هائلًا من الناس حولي لأصيح بهم بافتعال ”أنا كويس، أنا كويس“..

لكن لم أجد أحدًا، لم يكترث أحد لي، شعرت أن هذا أول درس تعلمته: لن يكترث أحد لك، قم سريعًا وأكمل.

وهذا ما فعلت بالفعل ولكن بفعل الحرج، مشيت سريعًا محاولًا تنظيف ملابسي، أنا سليم، فقط لا أشعر بذراعي الأيمن، مش مشكلة. المهم أن أسرع حتى لا أصبح محط سخرية.

والله ما أنا راكب!

عدت إلى المنزل وأنا ”حالف يمين“ بعدم ركوب الميكروباص مجددًا، وإذا اضطررت سأركب ”الميني باص“ على الأقل يتمهل في الركوب والنزول.

أتذكر أن التجربة ألهمتني حينها أن وسائل النقل العام تشبه حياتنا، لها مسار محدد لا يمكنك تعديله أو تجاوزه بل أحيانًا تتقبل المرور على محطات لا تعنيك حتى تصل إلى وجهتك، بينما لو أردت أن تخرج عن المألوف أو أن تصل أسرع، فعليك أن تستقل وسيلة نقل أخرى، أكثر خصوصية، أوبر مثلًا، أو ربما أنا بعمل من الحبة قبة كعادتي، معرفش.

شارك هذا الـمقال