لقد وصلت إلى آخر جلسة علاجية بعد سنة -في هذه القصة أنا المعالج ولست المريض-، تسألني مشرفتي عما حققت مع مريضتي في هذا العام.
أتلعثم.
لا أجد ما أقول.. فماذا حققت؟
لقد فشلت معها تمامًا، كما أشعر حيال كل عمل أقوم به.
تأخذني أفكاري من الخاص إلى العام:
لماذا لا أرضى بتواضعي الشخصي والمهني؟
حين كنت صغيرة، سألني أحد المدرسين: ”ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين؟“ وقفت كثيرًا أمام سؤاله. كنت أريد أن أصبح كل شيء: مخرجة سينمائية، طبيبة مثل أمي، مهندسة لأني أحب الرياضيات، وكاتبة فأنا أحب القراءة كثيرًا.
لم أكن أريد أن أختار من بينها، كنت أريد أن أكون كل شيء وأتقن كل شيء.
انتهى بي المطاف -في وقت كتابة هذه السطور- في وظيفة طبيبة نفسية بعيادة في مستشفى كبير بالمملكة المتحدة، وما زلت أشعر بكثير من الضآلة.
أفكر كل يوم أني لم أنشر أي بحث علمي ولم أصبح معالجة نفسية ماهرة، لم أقرأ أكثر الكتب بمكتبتي ولم أصبح مخرجة أو كاتبة، لم أستطع حتى أن أكون شخصًا مشهورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لم أصبح أي شيء وما زلت أرغب في أن أكون كل شيء وأتقن كل شيء.
تنتهي بي أفكاري كل يوم إلى الهاتف، أمسكه وأتصفح مواقع التواصل لساعات وساعات، أحقق أرقامًا قياسية في إضاعة وقتي عليه.
أقرأ إنجازات هذا وذاك، أنظر ماذا تلبس هذه، وكيف يتحدث ذاك بثقافة، وهذه تلعب الرياضة يوميًا بينما هذا يشاهد كل أفلام السنة ويراجعها بطلاقة بالغة وباستخدام لغة ذكية. لم أصل إلى شيء، وأنا لا شيء.
يفاجئني العالم كل يوم بصعوبته الجمة. أيزداد صعوبة أم أفقد مهاراتي؟ أصارع لأبقى على قيد الحياة، يصعب العيش في كثير من الأيام، فأجد صعوبة حتى في ترك السرير.
أقول لنفسي: كم أنت مريضة! كيف تتوقعين أن تحققي أي شيء وكل شيء وأنت لا شيء؟ أنت لا شيء.
في رواية ”الأبله“ للرائع دوستويفسكي، يصف الكاتب شخصية من شخصياتها تُدعى ”جانيا“:
”لا شيء أدعى إلى انزعاج المرء من أن يكون غنيًا وابن أسرة كريمة وحسن الهيئة وعلى جانب من الثقافة وغير غبي، بل وطيبًا، لكنه لا يملك أي موهبة، ولا ينفرد بأية سمة شخصية حتى، ولا بأية صفة مميزة، وأن لا يكون له أي تفكير خاص..
أي أن يكون شخصًا كـ«سائر الناس» تمامًا، فهو غني ولكنه ليس مثل روتشيلد، وهو ذو اسم محترم ولكنه لم يتميز في يوم من الأيام بشيء يجعله مرموقًا، وهو حسن الهيئة ولكنه لا يُحدِث فيمن يراه أثرًا كبيرًا، وقد نال حظًا مناسبًا من التعليم ولكن هذا التعليم لا يجديه نفعًا في شيء، وهو لا يخلو من ذكاء ولكنه لا يملك أي أفكار شخصية، وهو صاحب قلب حساس ولكنه لا يتمتع بنفس كبيرة عظيمة، وهكذا دواليك.“
حين قرأت هذا الجزء، صُعقت تمامًا. لم أجد يومًا عبارات تعبر عما أشعر به كما وجدت هذه العبارات؛ فأنا ”عادية“ في كل شيء: لست أذكى من قابلت ولست أجملهم، ولا أحدث أثرًا عظيمًا فيمن يراني، ولا أتفوه دائمًا بالعبارات الذكية أو حتى الصحيحة.
كذلك أنا مزاجية تمامًا، ولربما لأني لا أتقبل ”عاديتي“، ولا أتقبل أني قد لا أحقق ما هو عظيم في هذه الحياة، وما قد تتناقله الأجيال القادمة لعشرات السنين.
أفكر في حياة المسيح وأنا في عامي الثالث والثلاثين على هذه الأرض، وهو العمر الذي تُوفّي فيه، وأفكر: ”لم أحقق شيئًا، بينما مات شخص ما لتولد ديانة كاملة من بعده“.
هكذا تتشكل شخصيتي المعقدة جدًا: نرجسية تارة فتجدني أقارن نفسي بالمسيح، وشديدة الاحتقار للذات تارة فتجدني أصف نفسي بالـ”صرصور“ كما وصف كافكا بطله.
لا أجد تلك المعادلة التي تجعلني أتقبل عاديتي. لربما حين أصل إلى هذه النتيجة، ستزول نوبات الاكتئاب الشديدة التي وُلدت تزامنًا مع ولادة هذه الأفكار، ولربما سأعرف الرضا.
أفكر في هذا بينما أجلس مع صديقتي وأحكي لها أفكاري، فتقول لي إنها فخورة بي، وتذكرني بأني مريضة بالاكتئاب منذ ١٢ عامًا.
بدأت تناول مضادات الاكتئاب منذ ١١ عامًا، بعد تشخيصي بسنة. حاولت التعايش مع المرض بلا جدوى، فبدأت تناول مضادات الاكتئاب وتغيرت حياتي.
أتذكر كم كانت رؤيتي للحياة في غاية السواد والدرامية: أرى طفلًا ”يشحت“ فأنهار بكاءً على قسوة الآباء والحُكام، أشاهد الأخبار فأنهار بكاءً من جديد، حتى لو شاهدت كارتون أطفال، لوجدت ما يبعث على البكاء.
هكذا هو الاكتئاب، يلون كل ما تراه بلون أسود قاتم.
حين بدأت تناول مضادات الاكتئاب، عرفت عالمًا آخر يمكنني فيه أن أضحك قليلًا أو أشعر ببعض من السعادة، يمكنني أن أشاهد الأخبار وألا أبكي، وأن أعطي بعض الصدقة لطفل دون أن أبكي حاله.
ساعدتني على أن أصير أكثر إيمانًا بمحدودية قدرتي على تغيير العالم وبعظمة قدرة الله تعالى.
لربما الاكتئاب مرض نرجسي تمامًا؛ يوهمك أنك مسؤول مسؤولية تامة عن كل ما هو سيئ في العالم. لا يؤمن الاكتئاب بمحدودية قدرتك أو بقلة حيلتك.
أرى بوضوح كم هي ساذجة فكرة أن أكون كل شيء، وأني لن أصبح أكبر مما يكتب الله لي، ودوري أن أؤمن بمحدودية قدرتي فقط.