يبدأ المشهد بي أمام المرآة صارخة ”إنت مين يا عم إنت؟ هم قطعوا شفتي ولا ايه، مش عارف أتوف مش عارف أتوف“ في إعادة لمشهد اللمبي في اللي بالي بالك. فقد خلعت سنة من أسناني قبل ذلك بعدة ساعات، انتفخ وجهي للغاية وأصبحت ابتسامتي بها فراغ أسود في المقدمة في محاولة مني لإصلاح تراكم أسناني الذي لم يتم إصلاحه منذ الصغر.
بكيت حين رأيت ابتسامتي أمام طبيبة الأسنان، تميل عليّ وتقول لي أن هذا الألم مؤقت، أقول لها لا أبكي الألم ولكن أصبحت أكثر قبحًا. تطمئنني أنها أول خطوة قبل التقويم الحديدي الذي سيجعل أسناني مصطفة وابتسامتي أجمل.
حالي كحال كثير من الفتيات في مجتمعاتنا الحديثة، أحاول طوال الوقت تغيير وزني، ترهلاتي، حجم صدري، أسناني، شعري، أصابعي، حتى أصابع قدمي يُمكنني أن أُعلق على ما أغير فيها بين الحين والآخر.
بدأت رحلتي مع ”عدم تقبل الذات“ منذ كنت في الثامنة، أتذكر كل فتيات العائلة بملابس العيد وشعرهن يتطاير أما أنا فدائما شعري في ضفيرة، تقول لي أمي، ”لو فكيتي شعرك زيهم، هيهيش وهيبقى شكلك مش حلو“
يزعجني الأمر للغاية، فـضفيرتي مملة، وجبهتي كبيرة ولا يوجد شعيرات صغيرة ترسم وجهي، أشبه الولد الصغير كثيرًا إذا لم تلحظ الضفيرة في منتصف رأسي الخلفي (أو من الخلف) حينها قررت إذا لم أكن أشبه الفتيات. فلمَ أتشبه بهن إذًا؟
آه والله زي ما بقولك، عزيزي القارئ أنا فعلًا قررت إني ألبس لبس ولادي، لا فساتين، ولا تيشيرتات بها فيونكات ولا ألوان فاتحة أبدًا فقط القمصان المفتوحة غامقة الألوان والتيشيرتات والبناطيل الجينز الواسعة وأصبح دولاب ابن خالتي الأكبر حين تضيق ملابسه هو ”المول“ الخاص بي خاصة مع امتعاض أمي ورفضها تشبّهي بالأولاد
ومع سن المراهقة والتغيرات الجسدية التي فاجأتني كثيرًا، لم تعد الملابس كافية للاختباء من جنسي، أجبرني جسدي على المواجهة، مواجهة حاولت تجنبها بالحجاب فورًا
كنت أقول لنفسي أني تحجبت لأن الله أمرني بذلك، وأصبحت أول فتاة تحجبت في عائلتنا وكان يكبرني بعض الفتيات اللائي لم يخترن الحجاب، كنت فقط في الحادية عشر من العُمر. اختفيت تمامًا وطمست أنوثتي وراء الملابس الواسعة للغاية والحجاب الطويل الذي لا يُناسب مراهقة وتغلبت على تغيرات جسدي، لم ينتصر ولن أواجه عدم تقبلي له
يحضرني وأنا أتحدث عن تحولي إلى امرأة بالصفات البيولوجية مع رفضي لمواجهتها قول سيمون دي بوفوار ”لا يُولد الشخص امرأة، بل يُصبح امرأة“ لا يتحول الأطفال إلى كره أو حب أنوثتهم إلا بالتدريب المُكرر والرسائل الخفية من مجتمعهم ”الصوت العالي مش حلو للست“ ”الشعر الخشن بيوحش البنات خالص“ ”ياعيني بنتهم طلعت سمرا“
نلت نصيبي من الكلمات هنا وهناك، عن شعري، عن حاجبيّ، عن وزني، عن كثرة كلامي وصوتي العالي وغيرهم كرهت كل ما يخص أنوثتي وجنسي بسرعة كبيرة، تعلمت أن أكره كوني امرأة، فجسدي يؤلمني كثيرًا كل شهر، وتعلمت أنه لا تعاطف مع آلام المرأة، يعاقبني المجتمع على شيء لم أختر ولو عُرض عليّ عند ولادتي اختيار جنسي، لاخترت أن أكون رجلًا بلا تردد
أو هكذا كنت أفكر حتى حدثت الثورة المصرية، تغيرت حياتي، بدأت قراءاتي عن حقوق الإنسان والنسوية ودراسات النوع الاجتماعي (Gender Studies) وياله من بحر من العلم ولكن الأصدق، يالها من رحلة علاجية.
ها هي الثورة تصلحني كما كانت تحاول إصلاح مصر، بدأ الأمر بمشاهدتي لفيديو شابة مصرية قامت برفع فيديو تدعو فيه المصريين أن يجمعوا أنفسهم للتظاهر السلمي يوم ٢٥ يناير، كنت في السابعة عشر من العمر وتفاجأت، أيُمكن للمرأة أن تظهر بوجهها واسمها على صفحات الإنترنت؟
ألا تخاف أن يتم سرقة صورها وتركيبها على صور مخلة للآداب؟، فهكذا حذرتني أمي حين وجدتني أفتح حساب فيس بوك باسمي، غيرت اسمي لاسم حركي ووضعت صورة نور ومهند لأخفي هويتي وأطمسها طمسًا كما تعلمت أن أطمس جنسي.
كم كانت حرة هذه الشابة المصرية بالمقارنة بي، أردت في التو واللحظة أن أنتمي لهؤلاء، وبدأت رحلتي في الذهاب للندوات والحركات والأحزاب السياسية لأقابل نساء غيرن نظرتي لجنسي وأنوثتي.
لا يمانعن أصواتهن العالية، بل يُحملن على الأكتاف وسط المظاهرة لأن صوتهن العالي يصل بالهتاف لآخر المظاهرة بل ويصل لسيادة الضابط جوا عربية الداخلية اللي راكنة على أول الشارع. لا يمانعن أنوثتهن، فيجتمعن في بيت إحداهن، ويرقصن الرقص الشرقي أو البلديسويًا ويدعونني للمشاركة. لا يمانعن التعبير عن آرائهن القوية، فيجادلن أعتى الرجال في مقر الحزب دون خوف أو عار.
لم أعد أشعر بالعار من كوني أنثى وامرأة مصرية، لم أعد أكره الفساتين فاتحة الألوان بل أستمتع للغاية بارتدائها، لم أعد أمانع صوتي العالي وآرائي القوية بل وقررت أن أغير ما لا أستطيع أن أحب حتى ولو تقبلت وجوده المؤقت.
الآن لا أشعر بالعار كوني أخضع لتقويم الأسنان في الثانية والثلاثين من عمري، ولا أشعر بالخزي حين يأتي موعد ذهابي لتجديد بوتوكس جبهتي، بل أشعر ببعض السعادة حين أخذ هذا الجسد في رحلة شبه يومية إلى الچيم لأحافظ على لياقته.
أحب كوني أمارس ما يؤكد أنوثتي ويجعلني أتعلم أن أتقبل وأحب هذا الجسد الذي لم أختر ولكني بالتأكيد أحب حقيقة كوني امرأة حتى ولو عندي خرم مؤقت في وسط أسناني وورم بالشفايف بعد اقتلاع السنة يجعلني أقف أمام المرآة وأتشبه باللمبي وأقول ”مش عارف أتوف“ في محاولة مني لتهدئة أصوات المجتمع بأني قبيحة
ومازالت رحلة شاقة ومثمرة كوني امرأة.