⁠العاشرة مساءً
٦٦٨ كلمة

فجأة ابتسمت عندما وجدتني أنزل طقم الفناجين المغبر والصحون المجاورة في الطبقة التي لا تستخدم عادة للجلي بعدما أنهيت الجلي المعتاد بعد الفطور، ابتسمت أكثر حينما شعرت بجفنيَّ المنتفخين يقتربان من بعضهما بثقل، ما الذي حدث الليلة الماضية؟! وكيف انخرطت في حملة تنظيف في صباح لا يتناسب مع ما سبقه!

ظللت حتى الثالثة فجرًا أرجو من عقلي أن يتوقف عمّا يسمى الاجترار -فكرة سوداوية تسلم الأخرى- وعيني عن البكاء. لم يتوقف أي منهما وكأنني تعرفت إلى الدموع في تلك اللحظة ووجدتها صاحبًا كريمًا عذبًا أحب مجالسته، وبعد محاولات من النوم والكتابة غير الواعية والاستغفار استسلمت لانهيار كامل لم يعرفه سواي والمخدة.

لم يكن هناك حدث معين تسبب في كل ذلك. ولكنه شعور الخسارة، شعور هائل مثل غيمة أفرغت حمولتها مرة واحدة.

خسارة ما كنت أتصوّر أن يكونه، فصار شيئًا مخالفًا له تمامًا… تمامًا. والخسارات كالعادة تجر بعضها بعضًا ويختلط فيها الشخصي وغير الشخصي والحاصل والمتخيل، بانت كثيرة ومتنوعة يصعب بلعها أو التآلف معها. دون ما أدري نمت نوم القتيل من التعب.

أول ما خطر لبالي صباحًا إنه مكانش الأمر مستاهل كل هاد.. بنفس انسياب الدموع انساب صابون الجلي بين يدي على أول أغنية ظهرت لي على اليوتيوب «أنا ما فيي حبك أكتر من عيني» لـنجوى كرم. لم يكن هذا السيناريو المحتمل. توقعت أن أدخل في اكتئاب صريح أقل شيء ثلاثة أيام وها أنا أغني برحابة.

يقول محمود درويش:

”خسرت حلمًا جميلًا

خسرت لسع الزنابق

وكان ليلي طويلًا على سياج الحدائق

وما خسرت السبيلا

ما خسرت السبيلا“.

أظن أن هذا كان شعوري لحظة ما نظرت إلى المطبخ نظرة أخيرة قبل ما أخرج منه وقد أصبح نظيفًا تعبق فيه رائحة الصابون المعطرة بالليمون والقهوة المغلية، أنه ما خسرت السبيلا، في حين لم أخطط لئلا أخسر السبيلا.

أتفاجأ كثيرًا من هذه النفس حين تتصرف بطريقة غير متوقعة أو ببساطة ممكن أكون جبت آخري زي ما بقولوا.

يدعو الجميع إلى تقبل الخسارة والرضا بالمكتوب، ولا أحد يملك الطريقة الصحيحة للتقبل فضلًا عن إقناعك بها. أظن أنك وحدك من يحدد كيف تعيش مع الخسارة التي فرضت عليك أو نتجت عن أفعالك، سيلوح ذلك التغيير الذي يحدث ببطء ويجعل فهم كلمة ولادة ثانية قريبًا.

أول مرة سمعت كلمة ولادة ثانية كانت من مسلسل التغريبة الفلسطينية على لسان رشدي أحد الشخصيات:

”النضج ولادة ثانية والإنسان نفسه بيمارس ولادة نفسه، لازم يموت فيه إشي حتى ينولد فيه إشي جديد“

لم أفهمها كما قالها واعتبرتها إنشاءً جميلًا ولكن ليس بعد أن دخلت التجربة.

في لحظة تبدو الطرق القديمة فيها شيء من الغباء والجمود في النظر، ليس لأمر الخسارة نفسها ولكن لكل شيء، إدراك جديد يتشكل ووصلات عصبية جديدة تعمل قد تفضي إلى ممكن لم تكن تظن أنه ممكن.

مع ذلك تظل الخسارة أمرًا مؤلمًا قد يتعذر فهمه مع كل المحاولات لكنه على الأقل يفسح المجال لشيء آخر جيدًا كان أو سيئًا، لم يكن في الحسبان، وهذا القليل مع الوقت يصبح كثيرًا وحياةً أخرى لا تحبذ الغرق في الحنين أو الوهم كطريقة للعيش.

أعي أن هناك خسارات فادحة لا يمكن مهادنتها ويؤلم النظر إليها، تفطر القلب ولا ينفع معها حديثي هذا، ما يعول عليه حقًا هو لحظة الانهيار تلك، تقطع السبل، الوصول إلى القاع الذي لن يعرفه إلا من رآه، والتي تحدث من تلقاء نفسها بعد تاريخ من التراكمات والتهيؤات..

والتي قد تكون لحظة عابرة أو بداية لعملية مطولة مضنية لا تخلو من انبساط في الاقتراب من الذات والواقع.

أتذكر الآن مشهدًا منتشرًا من مسلسل بابلو اسكوبار يقف في حقل مفتوح، يدخن سيجارة وينظر إلى الأفق براحة تعبر عنها كل خلية في وجهه ويتفنن الناس في إسقاط هذه الحالة على أنفسهم والتقاط الحالات التي يشعرون بها على ذلك النحو واحدة منها هي بعد حدوث ما كنت تخشى وقوعه.

بالتأكيد الأمر يحتاج إلى شجاعة تتجاوز الخوف من السير إلى مراجعة حقيقية للذات: أحلام يقظتها، هروبها، مخاوفها، مواهبها والقوائم البسيطة التي تؤجل باستمرار لأن الأمور لم تَسِر على ما توقعت.

قرأت مرة:

”الناس يكذبون حتى في دفاتر ملاحظاتهم التي لا يقرأها أحد“

أرعبتني الجملة لأن أكيد يوجد الكثير من الأمور التي أخاف أن أقولها حتى بيني وبين نفسي فضلًا عن أن أكتبها في دفتري الخاص الذي لا يقرأه أحد، بعدها حاولت أن أكتب بصراحة كاملة فأقدر مرة ولا أقدر الأخرى..

أساير وأحاور وأحايل نفسي والعالم ولا أنتهي ولا ينتهي.

شارك