⁠العاشرة مساءً
٥٥٣ كلمة

كان صباحًا ذا برودة لطيفة، ذلك الذي شعرت فيه أنني أرى الناس للمرة الأولى. بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب، عرفت أن كل ما اعتقدته عن الإنسان كان شديد السطحية والبساطة.

صليت الفجر وخرجت آكل صاج بالجبنة على بنك دراسي على باب الصف الذي قطنه ثلاثون شخصًا ثمانية أشهر. كنت أعلم وقتها أنني أعيش لحظة من أهدأ اللحظات التي عشتها في حياتي، وأنني لن أنسى صفاءها وحنوها. ولا أدري السبب الفعلي لحدوثها حتى الآن.

في مركز الإيواء ذاك، اجتمعتُ مع أطياف من الناس مسار حياتهم لم يكن ليتقاطع معي إلا في أوقات قليلة في أحسن تقدير. في المدرسة والجامعة والعمل، غلبت الفئة المتعلمة المحافظة على معارفي، وتأملي في حال الإنسان كان ينبثق منها.

وعلى عكس ذلك، جمعت تلك الفترة فئات لا يمكن حصرها تحت وصف واحد، تحمل التباين بين التعليم والاستغناء عنه، بين الحاجة والترفع، بين المحافظة والتحلل من التقاليد.

ورغم أنني لم أكن متزنة بما يكفي لأتأمل فيما يجمعني بهم من تفاعلات ومواقف وردات فعل متباينة تجاه واقع مشترك، فإن أثرهم في رؤيتي المشوشة للإنسان كان خانقًا، إما لدهشتي من قدرتهم على حل الأمور بالسليقة، أو لشفقتي عليهم لعدم قدرتهم على حل أي شيء، بل لانحدارهم واستسلامهم لمآثم النفس البشرية.

لم يكن هذا هو الأساس، في حين كانت الطائرات والعقلية الصهيونية ترمينا بأحقر ما قد يفعله البشر، ولكن الحيلة كانت ضيقة في مجابهة حقيقة كهذه تتأكد بأفظع الطرق: أن الإنسان يمكنه فعل ذلك. ذلك الذي حصل ولا أجد سبيلًا لتسميته.

كانت المقاربات تفرض نفسها: في اليوم نفسه، في الساعات نفسها، أرى من الناس شيئًا من الرحمة الخالصة لا يسعها صدري فأخِفّ وأُبطئ النفَس، وأرى شيئًا من التوحش تبقى أجزاءٌ منه لا تلتقطها عيني ويثقل رأسي ويضيق نفَسي.

لحنة أرندت قول فظيع: «أنا أخجل لانتمائي للعرق البشري». أما أنا فأرتبك لانتمائي للعرق البشري.

أحببت الإنسان وكرهته بالدرجة نفسها، ما إن ركنت إلى أحد الجانبين حتى شدني الآخر. وما أزال.

لم يكن تأملي في الآخر إلا انعكاسًا لتأملي في نفسي. لقد ظهرتُ في نظري شديدة الغرور، أقدر أن النهاية الجميلة مرهونة بالعمل الجاد والنية الطيبة، وأن الحياة فيها قدر معقول من العدل، ولم أكن قد التفت إلى الجزء غير المفهوم من الحياة.

في عام 1981 كتب غابرييل غارسيا ماركيز عن موت صديق له بطريقة فاضحة بعد ثلاثين سنة من الحادثة، بعدما ماتت الأم التي أغلقت الباب في وجه ابنها الهارب من قاتليه لأنها ظنت أنه في البيت بالفعل مراعاة لها، وأسمى روايته «قصة موت معلن».

وزع القدر فيها الأدوار على أهل القرية ليحضر الموت وتنتهي معه حياة سانتياغو نصار، الشاب الذي أعلن القاتلان عن نيتهما قتله لكل من صادفهما. ولأسباب مختلفة بين عدم تحمل المسؤولية والتهاون وافتراض أن المغدور يعلم، لم يخبر أحدٌ سانتياغو ما ينتظره في طريق عودته لبيته.

يبدو عبثًا أن يموت شاب في مقتبل العمر بطريقة صادمة وسافرة كهذه، ولكنه يموت. هذا هو الجزء الذي لم أكن قد تعرفت عليه بعد: أن تحدث أشياء ليس من العادي أن تحدث.

للغرابة، في تلك الأيام حمتني النساء البسيطات اللواتي لا يعرفن كثيرًا عن التعليم أو شيئًا عن القراءة، أمهات الكثير من الأولاد وصاحبات السلطة في حدود صغيرة.

في الحين الذي انهار فيه من كان يظن أنه يعرف، وأنا منهم، وجد أولئك ”البسيطات“ طريقًا، ملتويًا أو واضحًا أو غريبًا أو جميلًا. في أغلب الأحوال كان الطريق صادقًا ومدعاة للوقوف عنده والأخذ منه، في جسارتهن وإحجامهن، في لامبالاتهن وقلقهن، في صلاحهن ونقائصهن.

وبعد وقت طويل انتبهت إلى أنني تغيرت بينهن وبهن، في ظل الاستثناءات التي صارت عادية وجزءًا لا ينفصل عن الواقع.

شارك