مات صديق عمري، أتذكر ذلك اليوم جيدًا، وأتذكر تفاصيله العبثية الثقيلة كما لو كانت بالأمس، لأن ما فقدته في تلك الليلة كان غاليًا، وما تعلمته في السنوات اللاحقة كان قاسيًا إلى حد إعادة تشكيل كثير مما كنت أعتقده، إما بالنفي أو بالتأكيد.
نعم بهذه البساطة..
قبل سنوات، انتقلت أسرتي إلى بيت جديد، ولكنني قررت أن أبقى في البيت القديم – بيت العائلة – الذي بات مهجورًا حيث ترعرعت، المكان الذي أهرب فيه، متمسكًا بالماضي رافضًا قبول زواله النهائي.
تعودت خلال سنوات الحياة بمفردي على الوحدة، ألفتها وألفتني، إلا أنني قررت ألا أحتفل بعيد ميلادي تلك السنة وحيدًا، فذهبت إلى بيت الأسرة الجديد، في خطة تدوم لليلة واحدة ثم أعود إلى حياتي النائية في اليوم التالي.
فتنتني الحياة الأسرية القديمة التي كنت قد اشتقت إليها، وفي المركز منها الطعام اللذيذ الذي تعده أمي يوميًا، فامتدت الخطة القصيرة إلى أكثر من أسبوع كامل.
في صباح يوم، وبلا أي مقدمات أو تخطيط مسبق، قررت أن أعود إلى بيتي، اندهشت أمي وسألتني ”حد ضايقك؟“، أجبتها بالنفي، مشيرًا إلى ضرورة العودة لأسباب لا يمكن شرحها.. والحقيقة أنه لم يكن هناك أسباب من الأساس، حتى أنني لا أعرف حتى الآن لماذا قررت العودة في هذا اليوم تحديدًا.
في اليوم التالي، كان أخي وصديق عمري، أو بالتوصيف الرسمي ابن خالي، يجلس معي في غرفتي بعد عودته من زيارة إلى الطبيب بسبب وعكة صحية، وبينما نشاهد مباراة كرة قدم كعادتنا كان الممرض يستعد لإعطائه حقنة بحسب تعليمات الطبيب.
في ثوانٍ معدودات، كان العالم قد انتهى، تحولت الضحكات إلى صراخ، وتحولت الأجواء الهانئة إلى فزع يأكل قلبي ويحرق روحي.
توفي صديق عمري، توفي أمام عينيّ وبين يديّ، كنت أحمله بينما أركض إلى السيارة لمحاولة إسعافه إلى المستشفى، لكنني رأيته يلفظ أنفاسه الأخيرة بين أحضاني، أو كما يقول الشاعر فؤاد حجاج في تتر مسلسل حديث الصباح والمساء:
أنا شفت نوح الخطوة لما اتبرجلت
عكازها ماشي بالخطى على فين
عرفت أنه مات، كنت أعرف أنني أحمل جثته الآن، إلا أنني رفضت التصديق، ظللت أكذّب عقلي وأقمع تشاؤمي حتى سمعتها من الطبيب.
رحل صديق الطفولة والمراهقة والشباب، الذي يكبرني بـ 7 أيام فقط، ورحلت حواديتنا عن مغامرات المدرسة حيث كنا سويًا، ورحلات المصايف السنوية مع العائلة، رحل الصديق الذي كنت معه بريئًا، ورحلت معه سنوات الطفولة والمراهقة إلى غير عودة، ولم يبقَ منه سوى صورة تجمعنا أضعها في مكتبتي، نجلس فوق جبل عالٍ، وخلفنا البحر الأزرق اللانهائي.
وكأن القدر يسخر
في اليوم السابق على الحادث، وفي طريق عودتي إلى المنزل بعد الإجازة التي قضيتها في بيت الأسرة، كنت أستمع إلى أغنية مكسيكية بينما أستقل المترو، أغنية سمعتها مئات المرات من قبل..
ولكن في ذلك اليوم بالذات، لا أعرف ماذا حدث، لا أعرف بماذا شعرت تحديدًا حتى أفقد السيطرة على دموعي، وتفلت دمعة أو اتنين، قبل أن أتمالك نفسي سريعًا.
كانت تقول الأغنية باللغة الإسبانية التي أفهمها ”بالشبه“ بسبب القرب بين مفرداتها ومفردات الإيطالية التي أتقنها:
الحياة لعبة حظ
بالنهار وبالليل وطول الوقت
الحياة لعبة حظ
يوم فوق ويوم تحت
أتذكر هذه الأغنية حتى اليوم، وأتجنب سماعها في أحيان كثيرة رغم حبي الشديد لها، وأتساءل، لماذا قفزت هذه الأغنية تحديدًا إلى هاتفي رغم وجود مئات الأغنيات الأخرى؟ إذ إنني لم أخترها عن عمد، ولماذا بكيت في هذا اليوم بالذات؟
لماذا تحركت مشاعري في صخب المترو الذي لا تستطيع فيه سماع صوتك نفسه، فما بالك صوت أفكارك؟ الأغنية التي تروي قصة عن عشوائية الحياة، العشوائية التي واجهتها من المسافة صفر في اليوم التالي مباشرة، وبأقسى الصور الممكنة.
وكأن القدر كان يبعث برسالة مشفرة، لم أفهم معناها إلا في الوقت المحدد، وكأن هناك مَن كان يريد أن ينبهني بما أنا بصدد مواجهته في الساعات القادمة.
والسؤال الأول، لماذا قررت أصلًا العودة إلى المنزل الذي حدث فيه كل شيء في هذا اليوم بالتحديد؟
لم يكن هناك أي سبب يُذكر، لو كنت قد تأخرت 24 ساعة فقط لما كنت قد شهدت هذا كله، لكنت عرفت خبر الرحيل بالتليفون كما عرفه بقية أفراد العائلة، ولما كنت احتفظت بهذه المشاهد التي ربما ستبقى في ذاكرتي حتى يوم رحيلي الأخير.
سألت أمي وأجابتني ”كان عايز يودعك“، أعرف تمامًا منطق هذه المعتقدات وأعرف ما الذي تعنيه، ولكنها لا ترضيني ولا تجيب عن أسئلتي، الأسئلة التي ربما.. ليس لها إجابات من الأساس.
اللاطمأنينة
بحسب ما فهمت، حدثت الوفاة بسبب الحساسية من المادة الفعالة الخاصة بالعقار، خطأ طبي في غاية السذاجة والبدائية أودى بحياة شاب في الخامسة والعشرين من عمره بينما يشاهد مباراة كرة قدم ويأكل الشيتوس.
مرت الأيام والسنوات، وتضاءلت قوة الصدمة والتأم الجرح، ولكنه ترك ندبة لا تزول بمرور الزمن، بل يزداد وقعها على النفس كلما نظرت إليها، وتأملتها، أو بتعبير الراوي في فيلم Wings of Desire:
”الوقت يداوي جميع الآلام، ولكن ماذا لو كان الوقت هو نفسه الألم الأكبر؟“
هكذا كان الحال تمامًا، لم أعد أعاني من جرح الفراق المفاجئ، ولكي أخطو هذه الخطوة، دربت نفسي على تقبل العشوائية حتى في أكثر صورها جنونًا، بل دربت نفسي على توقع العشوائية دائمًا، وهو أمر بالغ الصعوبة، كيف تتوقع ما هو نقيض التوقعات من الأساس، أي نقيض النظام؟
ولكن هذا كان المسار الوحيد المتبقي لي حتى لا أفقد عقلي، ليس بمعنى الجنون، ولكن بمعنى التوقف عن الإيمان بقدرات العقل على منطق الأشياء والعالم.
صرت أغذي عقلي بالأفكار الوحيدة التي كانت بإمكانها تقديم العزاء:
هكذا تجري الأمور..
لا يوجد سبب.
لا توجد حكمة.
لا يمكن توقع المستقبل بحلوه ومره.
مهما بلغت من ذكاء وفطنة، العالم قادر في كل مرة على إبهارك.
وبرغم العزاء المحدود الذي حصلت عليه، فقدت في المقابل الطمأنينة، ذلك الشعور الجميل والفطري الذي يدفع إلى المضي قدمًا في الحياة، بلا خوف من العشوائية التي هي قلب العالم الحقيقي كما يخبرنا آرثر شوبنهاور.
صرت أتوقع أسوأ السيناريوهات دائمًا، دون عمد، وبلا إرادة حرة مني في توقع هذه السيناريوهات، وكأن عقلي بات يحمي نفسه من العالم بتوقع الأسوأ دائمًا، فهو الحل الأسلم والأكثر عملية..
فلو تحقق الأسوأ لن أفاجأ، وإن لم يحدث، ”فأنا مُت موتات أحلى من دي بكتيييير“.
هكذا صار العالم أمام عينيّ، أقل عشوائية، وكذلك أقل رحمة، وخاليًا من دفء العادي والمتوقع، أو بتعبير فيرناندو بيسوا:
”الطمأنينة هي الكذبة الكبرى التي نخترعها لنستطيع تحمل الحياة“.