الثانية ظهرًا
١٤٤٠ كلمة

(1)

أتذكر جدتي لأمي في صباحات كل خميس، تجلس في الشُرفة مع سيدة لا أعرفها، تنكب السيدة على فنجان جدتي وتقرأ طالعها، لا تبدو جدتي ملهوفة لمعرفة ما يُخبِّئه القدر لها، لا تنظر حتى إلى الفنجان، إنما تتفرس ملامح السيدة بعناية وهي تتحدث.

كل خميس يحدث الطقس ذاته، وكل مرة تأتي سيدة مُختلفة لقراءة الطالع، كأن جدتي تُفاوض قدرها كل مرة بحثًا عن تأويل وقراءة جديدة.

ستُخبرني فيما بعد أنها لا تفاوض أقدارها، أنها لا تؤمن بقراءة الطالع من الأساس، لكنها تؤمن بالمقولة الصوفية التي تقول:

”كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز“

كل قارئة فنجان تأتي لتستكشف طالعها، لا تدرك أنها تُستكشف في الوقت نفسه، أنها تُعري مكنون قلبها هي وهي تروي مُستقبل جدتي.

ذات مرة بشرتها جارة بمُستقبل سخي، لا مرض فيه ولا سخط. تُشير الجارة إلى مصباح مُضيء في قلب الفنجان يُنير لجدتي دربها، بينما تلمح جدتي طيف غيرة حاسدة في عينيها.

تبتسم جدتي لي وتقول بمكر:

اختارت أن تُريني مصباحًا بينما النار في قلبها مني، تُشعل الدرب حتى نهايته

كانت جدتي البسيطة تعقد لجاراتها نُسخة بدائية من اختبار رورشاخ النفسي، عندما يرى المريض بُقع حبر، يُحاول أن يصفها، بينما يجلس بجواره الطبيب وهو مُدرك أن الوصف لا يتعلق بالبقعة، إنما بوجدان المريض وكيف يرى العالم.

لم تكن جدتي طبيبًا يصطنع فخًا لمرضاه، إنما كانت ذات يوم من أيام سبعينيات القرن الماضي، فتاة فاتنة الجمال، ترملت سريعًا، وقررت ألا تعود إلى الصعيد، وأن تُربي أربعة أبناء بمُفردها في قاهرة لا ترحم.

كانت نجاتها معقودة برباط واحد، ألا تثق في أحد، أن تفترض الأسوأ دومًا في كل من حولها، أن تصطنع الفخاخ لتستنطق مكنون قلوبهم الخفي تجاهها، قبل أن تسقط بغفلتها في فخ أعده أحدهم لها.

أمسكت يدي ذات يوم بحزم وأخبرتني أن أنظر إلى فنجان قهوتها، ثم قالت:

لا يوجد مُستقبل لاستكشافه هنا، حقيقة ما تراه هي حُفرة سوداء، لا قرار لها.

في عقيدة جدتي، هكذا لا بد أن يراك العالم، هوة تبتلع بغموضها كل محاولة لسبر أغوارك، لا تُفلت شعاع ضوء واحدًا يُمكن أن يُعري شيئًا من هشاشتك.

نظرت إلى تجاعيد جدتي، ووجدت طيف الفتاة الجميلة، التي عاشت وحدها في زمان ومكان لا يرحم، ترفض عروض الزواج وتربي أبناءها، وتصطنع فلسفة نجاة كاملة في فنجان قهوة سوداء. ترى فيه نوايا من حولها، ولا تُفلت شيئًا من دخيلة نفسها.

لم تهتم جدتي بطالع المستقبل أبدًا، إنما بالنجاة في كل لحظة، هنا والآن.

لم أُحب القهوة يومًا، بسبب روافد تلك الذكرى، بدا لي الفنجان كل مرة هوة سحيقة، تبتلع شاربها، أو سائل مُكاشفة ثقيل، يعكس كسوة قلوب من حولك، والحقيقة المُخفاة خلف ابتساماتهم.

(2)

تنسل أمي دومًا من كل جمع كي تُعد الطعام للجميع، وبنهاية الوليمة، تنسل من الجمع كي تُعد الشاي، وبعدها الحلوى، ومجموع ما جلست معنا في اليوم، لا يتعدى دقائق، لكنها تعشق تلك اللحظة عندما يرتشف الجميع جُرعات الشاي، وترتسم ملامح الرضا على الوجوه.

ثم ينظر إليها الكل بشكر حنون، تنتشي عندها مثل مُضيفة نجحت في اختبارها وأرضت الجميع.

أخبرتني جدتي يومًا:

أمك تُحب بكل قلبها، وهذا ما سيقتلها.

تُحب أمي الجميع، وتثق بالجميع، ولا تترقب الشر على بعد أميال قبل حدوثه مثل جدتي، لا تراه إلا لو صار بينها وبينه بوصة.

لا تمتلك حظًا من الشعر كي تُعبر عن حُبها بقصيدة، لذلك تبذل قلبها في أطباقها وأكوابها وولائمها، وتجمع نظرات الرضا والحنان مثل جامع طوابع مُتحمس، فتطمئن أخيرًا أن بريد حبها وصل لأصحابه.

أراها تجلس مُنهكة في الشرفة مع نهاية كل يوم، بعد الطبخ والغسل والولائم، ترتشف فنجان شاي مُتناهي الصغر، يبدو طفوليًا.

لا تستطيع أمي شُرب القهوة –التي تعشقها– بنهاية اليوم كي تتجنب السهر، لأن عليها الاستيقاظ في الصباح الباكر لتجهيزنا للمدرسة، ولا تستطيع كذلك شُرب الشاي بكثرة لأنها تُحبه معسولًا، ومرض السُكر يُعاقبها على تلك النزوات.

يبدو فنجان الشاي الطفولي هو مُساومتها الأخيرة، حظها من العالم، بعدما أفنت قلبها ويومها من أجل زوجها وأمها وأسرتها وكل من تُحب.

فنجان يتبخر بعد ثلاث رشفات، لكنها ترتشفه ببُطء، كي تخادع الزمن، وتُطيل استراحتها، استعدادًا لإعادة اليوم ذاته غدًا.

(3)

تبدو خالتي في ذكرياتي، مثل شبح عالق بين جدتي وأمي، تُحب القهوة في حضرة جدتي، وتشربها بإدمان مُبالغ فيه، لأن القهوة تجعلها نديمة مُحادثة مع أمها، ولكن في حضرة أمي، تُروض خالتي نفسها على فنجان شاي صغير في نهاية اليوم، تعده لها أمي مع فنجانها الصغير وهي تنتظرها في الشُرفة.

لم تمتلك خالتي يومًا حكاية تخُصها، كانت نديمة الآخرين، تستمع لحكايات أمي وجدتي في نهاية كل يوم، وتنسج لها حضورًا فيها مثل فروع لبلاب يمد أوراقه على حائط مبنى لا يسكنه.

لا تتحدث خالتي كثيرًا عن زيجتها الوحيدة وطلاقها، ولا تتحدث كذلك عن تعرضها لإجهاض مؤسف خسرت معه فرصة أمومتها للأبد.

لم تكن خالتي أرملة شابة مثل جدتي، لم يكن عليها أن تُقاتل العالم كي تنجو بأطفالها، ولم تكن زوجة مثالية وأمًا تستقبل أرصدة الحُب لو أدت أدوارها كل ليلة بإخلاص مثل أمي.

كانت في نظر الجميع امرأة مُطلقة برحم قلق يحرمها من الأمومة.

فاتتها قطارات التحقق الأنثوي التي اصطنعها المجتمع بمسطرة قاسية للنساء، وهذا جعلها تُجاهد فقط في كل لحظة كي تُرى ممن حولها.

لأنها بدون نديم يُحادثها أو حكاية تتطفل على قطارها، تبدو عارية، بإحراج شخص حضر مهرجان الوجود دون أن يملك حكاية تخصه أو مسطرة يتحقق على هدي استقامتها.

(4)

أتذكر تلك الأمسيات الصيفية بحنين جارف، عندما تجلس النسوة الثلاثة معًا في الشُرفة كل ليلة، هربًا من حر أغسطس.

ترتشف جدتي قهوتها، وترتشف أمي فنجان الشاي الصغير، وتختار خالتي مشروبها بين الشاي والقهوة، حسب من منهن تمتلك رصيد حكايات أكبر، يُمكن أن تندس فيه.

كل سيدة تنظر إلى فنجانها، الذي يبدو مثل عالم مُصغر، رسولًا عن ذات صاحبته، وفلسفة مُكثفة عن حضورها في العالم، ونبوءة عن مستقبلها، أكثر دقة من أي قراءة طالع.

(5)

عندما اقترب موتها، عافت جدتي بما تبقى من كبريائها، الطعام والشراب، كيلا تحتاج إلى الاعتماد على من حولها في الذهاب إلى دورة المياه وقضاء حاجتها، حتى في لحظاتها الأخيرة ظلت تترقب بقلق نظرات من حولها، تخاف من أن ترى انكسارها في عيونهم.

بدت عينيها قبل موتها مثل فنجانها، هوة سحيقة، لا تفلت شعاع نور، ولو كان شعاع هشاشتها. حتى ماتت بكبرياء بجوار فنجانها الأثير.

ماتت أمي ذات صباح، بعد أمس طويل، يُشبه كل أيامها، قدمت فيه الحُب كاملًا، ورضت من العالم بفنجان صغير، حجمه أصغر من قبضة اليد.

ذات صباح لم يتحمل قلبها هذا الروتين المثالي المثقل، أعلن تمرده وأوقف دقاته، ومنحها رحيلًا خفيفًا، رحيمًا، مثلما انسلت كل مرة بخفة من التجمعات كي تُعد الشاي وتجمع ابتسامات الرضا. لكنها لم تعد تلك المرة.

أجلس مع خالتي في الشُرفة ذاتها، أعود بذاكرتي ربع قرن إلى الخلف، عندما كنت أنتظر قلق الأمسيات، أندس وسط ثلاثتهن طفلًا صغيرًا، يُحب الحكايات، ويخاف العالم، أحضر معي كوب ماء طفولي، أرتشفه ببطء مثلهن، كي أبدو مشاركًا في الجلسة وطقوسها.

أتأمل سور الشرفة الآن، تُحافظ خالتي على كل شبر في البيت نظيفًا، بوسواس قهري لا يقبل ما هو أدنى من الكمال، لكنها تترك السور كل مرة كما هو، مهما ألح وسواسها لتنظيفه.

يبقى السور مثل نُصُب تذكاريّ، يحمل أثر الفناجين والأكواب، الأثر المتبقي من تلك الأمسيات البعيدة، تبدو دوائر الفناجين غير المُكتملة على خشب السور مثل أنصاف ابتسامات، أنصاف حكايات.

لم تمتلك امرأة منهن حكاية كاملة، كانت أدوار فُرضت عليهن من البداية:
أرملة وحيدة وتعول
زوجة وأم مثالية
مطلقة دون أبناء

مسميات تبدو بيروقراطية في شهادة حالة اجتماعية، لكنها مسميات ترسم مصائر حامليها، تُحدد نظرات من حولهن، توقعاتهن من العالم ومن أنفسهن، ومسار حياتهن كاملًا.

هؤلاء النسوة لم يملكن إلا تلك الأمسيات العابرة كي يظفرن براحة من تلك المسميات والأدوار، كي يصرن نساءً وحسب.

تربى الفتى الذي كنته في كنف هؤلاء النسوة، وتلك الحكايات، وقلق تلك الأمسيات، نسوة من أزمنة سبقتني، نسوة حاولن وحسب. محاولات لن أحاولها أبدًا، لأن أدوار الرجال أكثر رحمة من ألقاب ترسم مسارات حياة كاملة بمجرد أن تُمنح لامرأة.

يمتلك اليابانيون مفهومًا شعريًا يُسمى «الوابي-سابي»، يقوم على قبول الجمال غير المكتمل، والعيوب والخدوش والندوب التي تُفسد كمال الأشياء، لكنها تصير الدليل الوحيد أن تلك الأشياء امتلكت حياة حافلة يومًا.

وقفت أمس مع خالتي في الشرفة، في يدي فنجان ياباني على نمط الوابي سابي، فنجان أخضر صافي، تشقه شقوق وشروخ ذهبية (لا يداري اليابانيون الشروخ في كل خزف محطم، إنما يستعرضونها بفخر، بمنحها بريق الذهب).

أنظر إلى آثار الفناجين على السور، أنصاف الابتسامات، بقايا الأمسيات، لثلاث نساء، كل واحدة منهن امتلكت شروخها الخاصة ونقصها الخاص، مثل فنجان مكسور كسا الذهب شروخه حتى صار جمالًا مكتملًا.

عندما أخاف أن أنكشف للعالم بهشاشتي، عندما أرى الشر فيه على بعد أميال، أشرب القهوة متذكرًا جدتي، ومتى قابلت من أحب أبذل نفسي وقلبي حتى لو أهلكني ذلك يومًا، وأرتشف في المساء كوب شاي صغير مثل أمي.

وفي أيام عصيبة، أهرب من ضيق حكايتي إلى براح حكايات الآخرين، وأشرب ما يشربونه، وأتسلق حكاياتهم مثل اللبلاب، كما عاشت خالتي.

لا أفعل ذلك لأن أدوارهن كانت عادلة، أو السجية التي فرضتها تلك الأدوار كانت صحية، لم يكن هناك شيء عادل في حكاياتهن، أفعل ذلك لأتذكرهن وحسب، وأتذكر طفل تلك الأمسيات.

أحتضن شروخ فنجاني، متذكرًا، متأملًا، ممتنًا، وتفلت دمعة تخفيها رجولتي سريعًا، دمعة رجل تعلم كل شيء عن حكمة وقسوة وجمال العالم من ثلاثة نساء.


شارك