⁠العاشرة مساءً
٤٨٨ كلمة

«عن التعلق بالهوية الجريحة، حينما يصيرُ الحزن بديلًا عن المعنى»

دائمًا ما أخشى أن يتولى الحزنُ روايةَ قصتي، أن أكون ممن يعيشون على أنقاض ما مرّوا به من مصاعب إلى درجةٍ يشعرون فيها بالغربة خارج هذه الهوية الجريحة، أو كما يُقال ببساطة: «عيل غم وابن فقرية»…

أرسلت لي صديقتي بودكاست بعنوان «رومنسية الحزن» يتحدث عن الموضوع نفسه، وأشار إلى الحلقة العاشرة من الموسم السادس لمسلسل الرسوم المتحركة BoJack Horseman، والتي تسمى ب«الضرر الجيد» Good Damage.

تحسنت فيها ديان بطلة الحلقة بعد تناولها مضادات الاكتئاب، حتى فقدت قدرتها على الكتابة. لا تستطيع أن تكتب لأنها تخلصت من ثقل الألم الذي كان يدفعها للكتابة، حتى اضطرت لإيقاف مضادات الاكتئاب هذه لتكتب عن ألمها وتنهي مشروعها الكتابي.

ثم قالت هذه الجملة الشهيرة:
«إذا لم أكتب كتاب المقالات هذا، فهذا يعني أن كل الضرر الذي تعرضت له ليس (ضررًا جيدًا good damage)، إنه مجرد ضرر. هذا يعني أنني لم أحصل على شيء من كل تلك السنوات التي عشتها بائسة»
”I’ve got nothing out of it, and all this years were miserable for nothing.“
…..

أسميتُ هذه الحالة بـ«غربة اللاحزن»، كأنك نسيت نفسك عندما نسيت الحزن! نسيت ما شكّلك وجعلك تصبح ما أنت عليه الآن، تهدّم المعنى الذي كنت ترى نفسك من خلاله.

ولأن للحزن – عافاك الله – سطوةٌ تقهر الإنسان فيفقد فيها شعوره باللذة ويعلن بها لامبالاته واستسلامه ويأسه. حالةٌ تتلبسه كأن هموم الدنيا كلها تركت الناس جميعًا وأثقلت ظهره وحده إلى درجةٍ يتمنى بها الفناء.

وحين يمنّ الله عليه ويخرج من هذه الحالة يشعر أنه غريب، أو أن ذاكرته كان ينبغي أن تنتهي هناك، فلم يكن يدري كيف يمكن للحياة أن تمضي وأن يكون هناك مستقبلٌ أصلًا…

وحينما تتكسّر مرآته التي اعتاد أن يرى نفسه فيها، يبدأ بالبحث عما يذكره بنفسه، بحزنه، حتى يشعر بالأصالة، كأنه يتحدى نعمة النسيان بجحود، فيحملق في ندوبه القديمة التي مهما تعافت سيظل يرى نفسه من خلالها «المطعون»، لأن لا صورة له خارج هذه الحرب التي طُعنَ فيها.

والآن بكل حذرٍ وتوجس وبلا تعالٍ على الحزن أبدًا أبدًا، أقولُ لمن اختار ألا يروي الحزن قصته، ومن اختار أن ينظر للندوب فيلمسها حتى يعترف بوجودها دون أن يبالغ في تَذكّره لسبب الندبة، مَن اختار أن ينسى ندبته مقابل أن يتخلى عن صورة البطل التي صنعتها معاناته، في سبيل جعل الحياة أخَفّ..

واختار أن يحكي عن النجاة وعن أول عينٍ قَبِلَت الندبة وأحبتها، وعن استمراره رغم عدم يقينه وخوفه، وعن أول يدٍ ضمّت يده في لهفةٍ حينما عاد من حربه ولم يبرد جرحه بعد…

أقول لهؤلاء الذين أتمنى أن أكون منهم، أن البطولة ألا تيأس، كل البطولة أن تفتح للسعادة أبوابك فيدخل منها أصغر الأشياء قبل أكبرها، وأن يكون الحزن مخبئًا في مكانٍ لا يطّلع عليه إلا من أمِنتَه…

سأظلُ أستمعُ لحكايا الحُزن وأغاني الفقد وأشعار الندم، سأظل أرثي حزني كلما التمسته في أي شيء، سأحكيه لمن أُحب قبل أن نغرق في الضحك، لن أُعادي الحزن ولن أُصاحبه، سأكتبه في نوتة أو أرسمه على ورقة صغيرة، لكني لن أُعلقه لوحةً على جدارِ غرفتي.

شارك