في الميثولوجيا الإغريقية، كان أورفيوس من أمهر العازفين والشعراء، يعزف ألحانًا تُرقّق قلب كل من يسمعها من مخلوقات حية وآلهة وحتى الحجارة. وقع في حب يوريديس وتزوجها، لكنها ماتت في يوم زفافهما، فحزن عليها حزنًا شديدًا وقرر النزول إلى العالم السفلي لاستمالة قلب الآلهة كي تعيدها معه إلى الأعلى.
وبالفعل وافق هيديس إله الموتى ورقّ قلبه بعد أن سمع ألحان أورفيوس الحزينة، لكن بشرط أن يصعد أورفيوس إلى الأعلى ويوريديس خلفه دون أن يحاول الالتفات والنظر إليها حتى يخرجا من عالم الموتى.
في البداية بدا الأمر شديد السهولة، فكل ما كان عليه هو الصعود دون أن يلتفت، لكن مع طول الطريق بدأ القلق يتسرب إلى قلبه شيئًا فشيئًا، وصار عدم النظر للخلف والتأكد من أن يوريديس تتبعه أمرًا شديد الصعوبة.
وظل في صراع بين رغبته وصوت عقله طوال الطريق حتى كاد يصل إلى الأعلى، فتغلبت رغبته على عقله، ونظر للخلف ليرى يوريديس تُسحب إلى الأسفل وتختفي من أمام عينيه.
تعددت التفسيرات لهذا الجزء من القصة؛ فالبعض يقول إن أورفيوس التفت شوقًا لرؤية وجه يوريديس، والبعض يقول إن السبب هو قلقه من ألا تكون تتبعه، وخوفه من أن يسير في طريق طويل بلا هدف.
أميل إلى تصديق التفسير الأخير، فهذه الأسطورة اشتهرت عند كثير من الناس الذين يقولون إنهم لو كانوا مكان أورفيوس ما نظروا إلى الوراء، وهو بالفعل التصرف المنطقي السليم في تلك الحالة، إلا أنني حين فكرت في الأسطورة استطعت أن أتفهم وجهة نظر أورفيوس، أو بمعنى أدق استطعت أن أتفهم دوافعه؛ فهيديس كان قد طلب منه ألا ينظر للخلف ليختبر إيمانه، ولكي يكون أورفيوس مؤمنًا كان عليه أن يكون مطمئنًا، ولكي يكون مطمئنًا كان عليه ألا يقلق.
وعلى الرغم من أن أورفيوس كان يعلم أنه إن نظر إلى الخلف سيفقد يوريديس إلى الأبد، إلا أن قلقه أغشى عقله عن الصواب، وجعل رحلة صعوده أصعب عليه من فقدان يوريديس نفسها، فما كان منه إلا أن ينهي معاناته بالنظر للخلف مرة أخيرة، وعاش باقي حياته يلوم سوء تقديره، لكن على الأقل زال عنه القلق.
وقد يبدو من غير المنطقي تفضيل وقوع الضرر على الخوف من وقوعه، لدينا مثل شعبي يقول ”وقوع البلا ولا انتظاره“، فأحيانًا تكون لحظات الترقب السابقة لأي بلاء أصعب وأثقل على النفس من وقوع البلاء نفسه.
سمعت عن بعض الأمهات في القرن الماضي اللاتي كنّ يتعمدن إصابة أطفالهن بالأمراض المنتشرة، خوفًا من أن يعيشوا فترة طويلة في قلق من أن يصابوا بها لاحقًا.
والحقيقة أن القلق كان وما زال واحدًا من أكبر محركات السلوك البشري، وليست كل الدوافع منطقية؛ فالطاغية الديكتاتوري يقلق من أن تنقلب الشعوب عليه، فيدفعه قلقه إلى زيادة ظلمه وطغيانه حتى يُخمد روح الثورة في شعبه، ويجعلهم في بحث دائم عن قوت يومهم وخوف مستمر من مجرد التفكير في الوقوف ضد الظلم.
والطالب المتفوق يدفعه قلقه إلى أن يعكف على الكتب بلا نوم في ليالي امتحاناته، والأم قد يدفعها قلقها إلى الإفراط في حماية أطفالها حد الاختناق.
وبالنسبة لي، يظهر القلق نفسه على هيئة أعراض جسدية تجعلني طريحة الفراش وتدفعني إلى تجنب أي تفاعلات بشرية خارج أبواب غرفتي.
القلق ذلك الشعور الداخلي.. كأنك تقف على حافة جرف هاوً، لا شيء يبعدك عنه، ولا شيء يدفعك للسقوط منه، لكنك تظل واقفًا في المنتصف في حالة التأهب القصوى لشيء غير موجود. أو كمسافر يعيش حياته كلها في ترحال، فلا يدري أيفتح حقائبه ويتخذ من غرفته الفندقية بيتًا، أم يحزمها ويذهب إلى مكان آخر.
كان أول لقاء لي مع القلق في سن متأخرة نسبيًا وأنا أقترب من منتصف العشرينات، مقارنة بكثير من أبناء جيلنا الذين عانوا القلق حتى قبل أن يدركوا معنى هذا الشعور.
تحكي لي أختي الصغيرة عن معاناتها مع القلق منذ كانت في المدرسة الابتدائية، وقد شهدتُ الكثير من نوبات الهلع أو ما يُعرف بالـ ”panic attacks“ التي مرت بها مرات عديدة في حياتها؛ قبل امتحان مهم، أو في ظروف صعبة استثنائية، أو حتى خلال نزهة ربيعية بلا أي ضغوط.
لذا أشعر أنني محظوظة لأنني بدأت عهدي بهذا الشعور الآن وأنا أدرك حقيقته، لكنه حظ تشوبه حسرة؛ كمن وُلد سليم النظر ثم فقد بصره لاحقًا في حياته، فأحيانًا يشعر أنه محظوظ لأنه رأى ملذات الحياة على عكس من وُلدوا عميانًا، وأحيانًا يشعر أنه أقل حظًا منهم لأنه يدرك ما يفقده الآن.
تخبرني إحدى زميلاتي في ”السكشن“ أنها لاحظت رعشة يديّ بينما ألقي حالة تحضيرية أمام زملائي، وعلى الرغم من رعشة يديّ كان صوتي ثابتًا واضحًا، فمدحت ثقتي بنفسي رغم توتري، لكن مديحها لم يقع موقعًا طيبًا كما ظنت، فما لا تدركه أنني كنت آمل ألا يلاحظ أحد رعشتي؛ شعرت أنني كاذبة منافقة، فها هي تمدح ثقتي بنفسي بينما لا أملك منها شيئًا.
ثم تذكرت أنه ليس من الثقة ألا أشعر بالقلق، تمامًا كما أنه ليس من الشجاعة ألا أشعر بالخوف.
لطالما تساءلت:
كيف يصير الشجعان شجعانًا؟
أوُلدوا هكذا؟ جاؤوا إلى هذه الحياة بلا أي خوف؟ لا يوجد داخلهم شعور دائم يمنعهم من الإقدام على ما هم مقبلون عليه؟
إذن كيف تكون تلك شجاعة؟
أليست الشجاعة أن تكون خائفًا لكنك تمضي في طريقك رغم خوفك؟
لذا، تسليمًا بهذا المنطق، بدأت أتقبل أنني سأظل أشعر بالقلق، وأنه لا يوجد عالم خالٍ منه، أو على الأقل ليس في هذا العالم الرأسمالي السريع.
لكني آمل أن أستطيع أن أتعايش مع هذا القلق، وألا يمنعني من الإقدام على أي شيء، وألا يصير عائقًا أمامي، وأن أظل أملك رفاهية أن أنظر ورائي دون أن أفقد أعز ما أملك.. مثلما حدث مع أورفيوس.