اعتاد عمي اصطحابنا بعد صلاة عيد الأضحى لنشهد مراسم الأضحية مع بقية العائلة، نتناول الغداء سويًا، ثم يمضي كلٌّ إلى حال سبيله. طقس سنوي لم ينقطع إلا بوفاته، رحمه الله.
المهم، من بين كل هذه الزيارات والموائد السنوية، والتي حفلت بالفتة والبوفتيك وغيرها، طعم واحد لم يفارق ذهني، صينية بطاطس باللحم.
كانت البطاطس محمرة الوجه، مقرمشة الأطراف، إسفنجية الملمس، ذائبة دون أن تكون هشة، ولها قوام متماسك دون أن يكون صلبًا.
وكانت ”الدِمعة“ سميكة، لا هي سائلة ولا هي جافة، لكنها ملتصقة بقطع البطاطس واللحم كأنها جزء منها.
أما الطعم فلم أذق في حياتي مثلها، ملحها ”على الشعرة“ كما يقولون، وبها لمسة من حرارة، لكنها ليست حارة.
حملتني البلاد وحطّت بي الأسفار، وعلمتني الغربة من أصناف الطبخ الكثير، أطبخ المعقد والبسيط، يطلب أصدقائي مني أصنافًا بعينها، لكن شيئًا من هذه الأصناف لم يشبع تلك الرغبة الداخلية. بقيت أبحث عن ذلك الطعم الذي تذوقته قبل ربع قرن.
سلكت كافة الطرق، جربت تقطيع البطاطس شرائح رقيقة، ومكعبات، وأصابع.
سلقتها أولًا، ثم قشرتها.
”نقعتها“ قبل السلق، غسلتها بالخل والليمون.
قيل لي إنني أستخدم بطاطس ليست مخصصة لفرن وإنما مخصصة للقلي، لا أدري من اتخذ هذا القرار بالفصل بين نوعين من البطاطس، ومتى حدث.
المهم، جربت البطاطس المخصصة للفرن، والمخصصة للقلي، والمخصصة للسلطة، والمعالجة جينيًا، الملفوفة في قصدير والمعبأة في أقفاص.
جرّبت الطماطم مكعبات، ومبشورة، ومعصورة، ومعجون.
أضفت البصل ثم حذفته، ثم أضفته مرة أخرى.
أضفت الفلفل الرومي وندمت.
أضفت الحبهان وورق الغار وخلطات بهارات لا أعرف ما بداخلها.
أضفت الشطة، زدت نسبة الفلفل الأسود، جربت الزنجبيل.
وفي كل مرة كانت الصينية تخرج ”لذيذة“، أو مختلفة… لكنها أبدًا لم تكن هي.
بحثت في وصفات كثيرة عن مكون سري، ولم أجد أي شيء.
صار الأمر أشبه بالهوس المدفون عندي، حتى أنني توقفت عن صنع صينية البطاطس أصلًا، صرت أهرب إلى أصناف أكثر تعقيدًا بكثير خوفًا من ألا أصل إلى ذلك الطعم المستحيل.
حرفيًا أنا أخوض معركة لا أحد يعلم عنها أي شيء.
قبل عدة أيام، عدت من العمل متعبًا وأنا أرغب في شيء سهل التحضير.
اشتريت دجاجة، وبطاطس، وطماطم، وبصل.
اتخذت قرارًا حاسمًا بيني وبين نفسي، لا مزيد من التجارب، سأستخدم الملح والفلفل والكمون، قليل من البابريكا والليمون ”عشان الزفارة“، وليبق هذا الطعم الخيالي في مكانه. لا داعي لخوض معركة أخرى اليوم.
جهزت الصينية، وضعتها في الفرن، وجلست أشاهد المسلسل الذي أمارس من خلاله رياضة التعفن الدماغي هذه الأيام.
يحكى أن أرخميدس صرخ ”يوريكا“ حين دخل إلى حوض الاستحمام، فأزاح جزءًا من الماء الموجود فيه، ليكتشف ما عرف بعد ذلك بـمبدأ أرخميدس.
لم أعرف أرخميدس بشكل شخصي، لكنني أكاد أجزم بأنها لم تكن المرة الأولى التي يدخل فيها إلى حوض الاستحمام.
كانت فقط المرة الأولى التي يدخل فيها إليه وهو غارق في التفكير في شيء آخر.
استغرقت في أحداث المسلسل، ونسيت الصينية.
جريت نحو الفرن موقنًا أنني أحرقتها، لكن للعجب، كانت البطاطس محمرة الوجه، مقرمشة الأطراف، إسفنجية الملمس، ذائبة دون أن تكون هشة، ولها قوام متماسك دون أن يكون صلبًا.
وكانت ”الدِمعة“ سميكة، لا هي سائلة ولا هي جافة، لكنها ملتصقة بقطع البطاطس والدجاج كأنها جزء منها.
”اهدى يا قلبي، اهدى واستنى“ كان صوت خالد سليم يطرب عقلي، أمسكت بالشوكة، وتذوقتها ”حلم ده ولا، ولا باتمنى“ آه والله… يوريكا.