”ما هو يمكن عشان أنت بتميل للعنف، ده بيخوف الناس منك!“
قالتها لي كحقيقة واقعة لا تلقي بالاً لأثر تلك الكلمة.
أنا! أنا باميل للعنف!
يعني كل اللي بيحصل لي ده وبميل للعنف، أمال لو مسالم بقا!
كان تعليقها على خلاف حاد في أحد العشاءات، ارتفعت فيه أصوات الجميع، لكن صوتي فقط كان الأبرز والأعلى و”الأجهر“.
واجهت هذا الموقف للمرة الأولى في الصف الثالث الابتدائي، حين اتهمني أحد المدرسين ظلماً وزورًا أنني صرخت فيه وشتمته و”عليت صوتي عليه“.
شهد بعد ذلك زملاء الفصل أنني لم أشتمه، ولم أصرخ، واتفق الجميع أنني بالفعل ”عليت صوتي عليه!“
اختفت سيرة الظلم، واختفى كل السياق، وانتهى الموقف بأن المدير الذي ”يعرف أخلاقي جيداً“ يدرك أنني بالتأكيد لم أشتم الأستاذ، وأنها أول مرة ”أعلي صوتي“ وهذا طبعاً ”مكانش قصدي“، لهذا سأعتذر وخلاص.
ماذا عن الظلم طيب؟
هل سيتساءل أي من الحاضرين عن ”لماذا عليت صوتي؟“
ثم، أنا بالأصل ”ما عليتش صوتي“، كنت أرد عليه وعلى ظلمه، فغضبت.
لم أكن أدرك وقتها أن صوتي بهذه الجهورية!
”ما الناس كلها بتزعق“ أرد على أمي، تخبرني أنني ضيعت حقي حين صرخت على الأستاذ، وأنني يجب أن أراعي الآداب العامة واللياقة، حتى أحفظ حقي.
سيتكرر الأمر في كل السنين التالية، في البيت، في المدرسة، في الدروس، في الجامعة.
أتعرض لظلم من وجهة نظري، أحاول حله بشكل هادئ، أفشل، أصرخ متعجبًا، يضيع حقي. وهكذا دواليك، أصبح صوتي العالي هو محنتي السيزيفية.
لا أعرف حقاً من ابتدع تلك النظرية السخيفة التي تربط علو الصوت بضعف الحجة وضياع الحق. ما علاقة الصوت أصلاً بالحجة، إذا صرخت بأعلى صوتي أن 2+2 = 5 لن يغير هذا من حقيقة الأمر!
”الاتنين اللي في البنش قبل الأخير، اطلعوا برة“ يخبرني المحاضر في الكلية. أسأله لماذا، يخبرني أنني كنت أضحك مع زميلي الذي يجاورني!
حسناً، سأحاول ألا أرفع صوتي، سأتحدث بالحجة والبرهان، وسأكون هادئًا.
أرد على الدكتور: ”محصلش يا دكتور والله“، يسألني عن الجزء الذي كان يشرحه، فأعيده عليه. لا يغير هذا من الأمر شيئاً، نقسم للدكتور أننا لم نضحك، يصر على رأيه.
يبادر زملاؤنا في الخلف بالدفاع عنا ويعترفون بفعلتهم وأنهم هم من قاموا بالضحك. يأمرنا الرجل أن نخرج جميعاً، أرد عليه ”بس ده ظلم يا دكتور“، ”انت بتزعقلي؟ هتضربني ولا ايه؟ طب اطلع برة وانت متحول للتحقيق“
HERE WE GO AGAIN!
مر التحقيق بسلام كوني طالب ”شاطر“ ومحبوب بين دكاترة القسم، وانتهى الموقف -كالعادة- باعتذاري.
ومضى الدكتور في حياته منتصراً، ولم يتحدث أحد عن أي شيء آخر إلا عن أنني ”زعقتله“، وأنه أحس بالتهديد.
لماذا أحس بالتهديد، لم أعرف!
في حياتي أصلًا لم أخض أي عراك بالأيدي، ولا أذكر أنني هددت أحدًا بالضرب!
لذا حين أخبرتني صديقتي دون أن تقصد أنها تراني ”أميل للعنف“ بعد أن علا صوتي في نقاش حاد، انزعجت للغاية.
ما علاقة هذا بالعنف أصلًا، ”أنا حتى ما شتمتش“
قرأت لاحقاً في أحد المقالات أن الصوت العالي له بعد نفسي، حيث تلعب حالتنا العاطفية دورًا كبيرًا. عندما يسيطر الحماس أو الغضب أو الشغف، ترتفع أصواتنا تلقائيًا كاستجابة غريزية أو كانعكاس لإحساس ما داخلنا. حيلة دفاعية: ”أنا هنا، لماذا لا تسمعونني؟“ وربما حيلة لطمأنة النفس أيضًا ”لا تخف، أنت محق“.
على الجانب الآخر، هو أيضًا وسيلة لإظهار التفوق والسيطرة، ووسيلة تهديد ورسالة تخويف.
إذًا، هم ليسوا مخطئين، وأنا لا زلت مظلومًا.
ساعدني ”صوتي العالي“ في أوقات كثيرة، لن أنكر هذا.
لكنه أحرجني في أوقات أكثر، وأضاع حقي في أوقات أكثر وأكثر.
لكنني لا أذكر أبدًا أنه كان دليلًا على ضعف موقفي. كان دليلاً على ضعف الثقة أحياناً، الغضب أنني غير مرئي في أوقات أخرى ربما. لكن ليس لضعف الحجة أبدًا.
جيدٌ أنني أفهم ذلك الآن، سأحاول أن أكون أكثر تحكماً في شغفي وحماسي.
الآن أحاول ترتيب أفكاري، أعرضها بهدوء في نقاط متتالية.
أحاول تقبل أنها أفكاري الشخصية، وأن أضع للآخرين مساحة للخطأ. أحاول أن أتقبل بعض الظلم، الحياة قاسية بالأساس. طالما لم أفلح في دفعه بالمنطق، فلا حاجة لرفع الصوت. أدرب نفسي على أن أكون حادًا وصارمًا بلا صوت عالٍ.
صحيح أن هذا يشعرني بالخبث والسميّة، لكن لا بأس، هذا شعوري أنا وعليّ التعامل معه. سيأخذ هذا بعض الوقت، لكن لا يمكن التعامل مع عبثية معضلة سيزيف إلا بمحاولة البحث عن الحكمة الكامنة فيها.
لربما أصل لما وصل إليه ميرسو في نهاية رواية الغريب ”في أعماق روحي، كنت أعرف أنني كنت سعيدًا“.
“Your voice is too powerful, you don’t even need a megaphone” قالها لي أحد المتظاهرين بجواري في واحدة من مظاهرات غزة.
حسناً، وجد صوتي مكانه المناسب أخيرًا.
هشتغل هتّيف!