⁠العاشرة مساءً
٣٤٦ كلمة

رأيتُ إعلانًا عن بيع زرافة بالتقسيط المريح، فقررت أن أشتريها.

لم أكن في حاجة إلى شراء زرافة، لكنني لم أكن أحتاج إلى أشياءٍ كثيرة في حياتي.

كان الإعلان مغريًا جدًا:

”زرافة أصيلة، بحالة ممتازة وتقسيط حتى خمس سنوات“

خمس سنوات أعتقد أنها مدة كفيلة بتغيير نظرتي نحو الأشياء وإعادة هيكلة داخلي المبعثر، ربما تكون هذه الزرافة يد النجاة التي أحتاج إليها.

لا أعرف من هو أول شخص قرر أن الأشياء الكبيرة لا تدخل الجيوب، ربما كان شخصًا عمليًّا لم يُخطئ يومًا فيشتري بنطالًا بجيوب صغيرة، ولم يضع آمالًا كبيرة في أماكن ضيقة.

أمّا أنا فقررت وضع الزرافة في جيبي، لا تسألني كيف، فبعض القرارات لا تحتاج إلى تفسير، خصوصًا تلك التي اتخذناها ونحن في كامل قوانا العقلية.

في البداية كانت الزرافة صغيرة هادئة – أو هكذا أقنعتُ نفسي – كنت أقول إنها مجرد ”فكرة“ والأفكار كما نعرفها لا تحتاج إلى مساحة، لكن بمرور الأيام كبرت زرافتي، ثم أصبحت حلمًا، وصار شيئًا أُحدّث الناس عنه بصوت واثق، رغم أنني لم أكن أعرف كيف سأحققه.

ماذا نفعل حينما لا يكون لدينا حق اختيار ما يحدث، لكن يظل لدينا حق اختيار كيف نعيش داخله؟

أحيانًا لا نُجبر ولكن تأخذنا دوامات الحياة في مسار محدد غير قادرين على الوقوف في وجه التيار،

نختار وظيفة لا نحبها من أجل المال، نستمر في طريق لم يعد يُشبهنا لأن الرجوع مكلف، نؤجل أحلامنا لأن هناك مسؤوليات في الواقع أكثر إلحاحًا، نقبل استخدام البدائل لأن الأساسي غير موجود (بتلك البساطة والتعقيد معًا نستمر) والخطر الحقيقي في هذه الحياة أن نخلط بين التكيف والاستسلام فالتكيف مع الواقع لا يعني بالضرورة أنك تحبه، لكننا نتلوّن كالحرباء لنتكيف مع الأدوار التي تُفرض علينا على خشبة الحياة.

فهناك فرق كبير بين أن تتقبل وجود الشيء وبين أن تسمح له بأن يبتلعك.

أحيانًا تكمن الحكمة في معرفة الباب الذي يجب أن يُطرق، لا في الإصرار على بابٍ مغلق، فحتى عندما لا نستطيع اختيار الحدث نستطيع اختيار ردّ فعلنا، ونظرتنا، وتوقيت انسحابنا، وما يمكننا أن نتنازل عنه من أنفسنا؛ فليس كل ما قبلناه أحببناه بالضرورة، وبعض الأشياء لم نقبلها أصلًا، لكننا تعلمنا فقط كيف نحملها.

قد لا نملك رفاهية اختيار البداية لكننا نملك ما هو أثمن: ”الخطوة التالية“.

شارك