الإنسان يفضِّل ألمًا يعرفه على سعادةٍ يجهلها
يميل الإنسان، غالبًا، إلى التمسّك بالألم الذي يعرفه أكثر من انجذابه نحو احتمالات السعادة التي لم يختبرها بعد، لكنها تقع خارج نطاق عالمه.
تشبه هذه الحالة الجلوس في غرفة باردة لأننا اعتدنا شكل الجدران وملمس الفراش، رغم إدراكنا أن خلف الباب مساحةً أدفأ، وربما أكثر أناقة. مع ذلك، يظلّ الباب مغلقًا رغم وجود المفتاح، أنت تعرف أن الخطوة الأولى نحو المجهول تثير رجفة تُربك النفس مهما بدت بسيطة.
يطمئن العقل حين يرى مسارًا معروفًا حتى لو كان مليئًا بالحفر.
لا يهم مقدار الألم طالما يمكن توقّعه (صح؟).
في المقابل، تُصبح السعادة التي نجهل تفاصيلها كائنًا غريبًا مليئًا بالأسئلة الأولى:
ماذا لو فشلت؟ هل سأندم؟ هل ستختفي سعادة البدايات بسرعة؟
وهكذا يتجمد الجسد في مكانه وينحاز إلى واقع قديم تحت ذريعة الاستقرار بينما يختنق القلب ببطء وتموت الأفكار بسرعة.
ينشأ هذا الميل من رغبة عميقة في الشعور بالتحكّم. الألم المألوف يبدو أرضًا يمكن الوقوف عليها.
الروتين بكل ثقله والعلاقات المنهكة والوظائف التي تسرب العمر قطرة بعد أخرى تتحول إلى قواعد ثابتة لحياة يمكن التنبؤ بها.
خلف هذا المشهد، هناك إحساس مضلل بالأمان: طالما أعرف ما ينتظرني في الغد، فلا خطر.
هكذا، يتربّى الخوف من الجديد مثل نبات عنيد، يغلف الصحة المحتملة بطبقات من الشك.
نكتشف كذلك أن الهوية تلعب دورًا أساسيًا.
يُعيد الإنسان تعريف نفسه عبر قصص يرددها: ”أنا لا أستطيع التغيير“، ”أنا اعتدت على هذا الطريق“، ”هذه حياتي“.
تتكرر الجملة حتى تُصبح قيدًا. وأي محاولة للتحرر تبدو كأنها تهديد لنسخة من الذات نعرفها جيدًا، حتى لو كانت نسخة منهكة. الابتعاد عنها يعني كتابة رواية جديدة، وكتابة رواية جديدة تحتاج جرأة ومهارة لا يعرفها الكثيرون.
لا غرابة في أن تتراكم أعمار كاملة في أماكن لم تعد تشبه أصحابها.
لابد هنا من استدراك سريع. فكل هذا لا يعني أن المجهول جنة مضمونة، المجهول مجهول، وهو مخيف، ومن حق الإنسان أن يخاف. لكنه في الوقت نفسه مكان متاح لصناعة واقع يتناغم مع الداخل. احتمال مفتوح.
لا يُقدم التغيير ضمانات نهائية، غير أنه يفتح نوافذ قد يدخل منها ضوء لا نراه في الغرف القديمة.
في كل خطوة نحو عالم جديد، يتعلّم الإنسان المرونة: كيف يقف بعد السقوط، وكيف يُعيد تعريف حلمه ونفسه، وكيف يقيس النجاح بمعايير شخصية لا تمليها أعين الآخرين.
كراهية الخسارة تُسهم في حراسة الأبواب. الخسارة تترك أثرًا مضاعفًا مقارنة بالربح، لذلك نحتفظ بعلاقات تستنزفنا لأنّ الانسحاب منها يُشبه الهزيمة في تعريفنا. نتمسك بوظيفة تُتعب الجسد لأن مغادرتها تعني الاعتراف بأنّ السنوات الماضية كانت استثمارًا غير موفق.
نسمي هذا حمايةً لما اكتسبناه لكنه في جوهره محاولة لتفادي الشعور بالخطأ. ومع ذلك، تتجاهل النفس كلفة الاستمرار: أعوام كاملة تُبذل في خدمة خيارات لم تعُد تطابق رغباتنا الأولى.
حين يتساءل المرء بصدق: ما الثمن الحقيقي للبقاء كما أنا؟ يتغير المشهد.
يظهر أن مخاطر الجمود تفوق أحيانًا مخاطر القفز خارج تلك الدائرة. البقاء في الظلام لا يمنع السقوط.
يؤجّله فقط.
بينما السير نحو مساحة جديدة يسمح بتعلّم شيء واحد ثمين: نحن أكثر قدرةً على التكيّف مما نعتقد. هذه طبيعتنا البشرية!
يلجأ البعض لخطوات صغيرة تدرب المرء على احتمالات جديدة.
تجربة هواية مختلفة، أو تعلم مهارة، أو تخصيص وقت قصير لشيء يرغبون به منذ زمن.
مع الوقت، تتّسع الدائرة، يتسع العالم من حول الإنسان، ويتعلم أنّ المجهول ليس وحشًا بالضرورة كما اعتقد مسبقًا.
لا يأتي الأمان الحقيقي من بقاء الأشياء على حالتها، بل من قدرتنا على بناء قواعد جديدة عندما تتغير الظروف.
لكن السؤال الذي يفتح هذا الباب يبدأ من الحاضر:
هل حياتي تُعبر عني؟ هل أجد نفسي في تفاصيل يومي؟
والأهم: هل أنا سعيد؟
حين تأتي الإجابة مرتبكة، يُصبح الصمت الذي نعيشه شكلًا من أشكال الانسحاب الداخلي. في تلك اللحظة يحتاج المرء إلى خطوة واحدة تُعيد توزيع الضوء. خطوة واحدة وليس ثورة كاملة كما تصور لنا الأفلام عندما يركض البطل خارج مكتبه بعدما لكم مديره!
خطوة بسيطة تستكشف المجهول.
حين ينظر كثيرون إلى الخلف يكتشفون أن أكثر قراراتهم شجاعة كانت أبسطها: خطوة في اتجاه غير مألوف.
التغيير لا يعد بسعادة كاملة، التغيير يمنحك فرصة للقاء ذاتك في ضوء ومساحة جديدين. أما البقاء في الألم المألوف فيعيد إنتاج الماضي نفسه. والإنسان الذي يتعلّم مغادرة ما لا يخدمه يصبح أكثر قربًا من معنى أعمق للأمان: أمان ينبع من قدرته على اتخاذ القرار لا من خوفه من العواقب.
ربما السؤال المناسب ليس: ”ماذا لو فشلت؟“ وإنما: ”ماذا أخسر حين أختار البقاء؟“
عند هذه النقطة يبدأ باب آخر في الانفتاح، وتتحول السعادة إلى ممر قابل للاكتشاف خطوة خطوة حتى تصبح مألوفة لأنها بدأت تشبهنا وأفعالنا.
إمضاء/
الفتاة التي ترددت 10 سنوات قبل أن تكتب جملة واحدة.