(دليل المواطن العربي للتعايش مع كائنات لا تظهر في الكاميرات)
لم أرَ شبحًا أبيض يطير في ممرٍ طويل، ولم يطرق باب غرفتي أحدٌ في الثالثة فجرًا ليقول إنه يسكن هنا منذ عام ١٨٧٤.
لكنني أعرف أشباحًا كثيرة لا تحتاج لقصرٍ مهجور لأنها تعيش في شقتنا العادية، تُخبرني أمي في صغري أني لو لم أنتهِ من طبقي كُله سيجري خلفي, فبدوري أقوم بتخيل حبات الأرز وهي ترتدي ملابسها ولديها أقدام تجري خلفي في كل مرةٍ أتناول فيها الأرز، هذا الكائن الغامض يجعلنا في كل مرةٍ نأكل ولا نترك أي حبةٍ في الطبق كأننا نوقع اتفاقية سلام مع تأنيب الضمير.
يأخذنا ذلك لشبحٍ آخر وهو ”آخر شوية عصير في الكوباية“ البق الذي يتبخر من تلقاء نفسه كأنه قانونٌ كونيٌّ أنه ليس ملكًا للبشر بل لشبحٍ يحرس الثلاجة.
أمّا عن أخينا الذي يتمدد أسفل السرير كل ليلة ليعبث بأقدامنا فمن منا في ليالي الشتاء القارسة مع صوت الرياح الشديد لم يسحب رجله بسرعة البرق بمجرد أن تخرج من أسفل البطانية؟!
الغريب أن هذه الأشباح لا تُخيف الأطفال فقط فتكبر معانا وتتطور فتتغير أشكالها، وتبدّل أسماءها، لكنها تحتفظ بالمهمّة نفسها أن تجعلنا نرتجف قليلًا قبل أن نُقدم على الحياة.
في مرحلةٍ ما يتقاعد شبح العبث مع الأقدام الذي يسكن أسفل الأسرة ويترك مكانه لشبحٍ أكثر تهذيبًا لا يختبئ تحت الأخشاب لكنه موجود بين الرسائل التي لم تحصل على إجابة.
شبح التعلّق، ذلك الشبح الذي يقنعك أن يومك كله متوقف على إشعارٍ صغير، وأن ”متصل الآن“ حالة عاطفية وليست تقنية، وأن ثلاث نقاط تتحرك أثناء الكتابة كفيلة أن ترفع نبضات قلبك أكثر من كوب قهوة.
ثم يأتي شبح البُعد، لا يصرخ لا يُحدث ضوضاء فقط يجلس بهدوء بين شخصين قرر أحدهما أن يختفي فجأةً وأن يرد لاحقًا والعجيب أن لاحقًا قد تمتد أيامًا، أو شهورًا أو حتى أعمارًا كاملةً.
ثمة دفءٌ لا يعرفه إلا من أحب حقًا، لا من الكلمات المرسلة بل من شعورٍ خالص بالأمان، أن تجد من يُنصت إلى ارتباكك قبل كلماتك، ويُربت على تعبك دون أن يطلب منك تفسيرًا، ويصير حضوره غطاءً يقي روحك برد الأيام.
لكننا لا نرى الأشياء دائمًا كما هي..
أحيانًا يختل الإدراك فنصبغ العالم بلون خوفنا، ونحمّل المواقف أكثر مما تحتمل، حتى تصبح الكلمات البسيطة ألغازًا والصمت شبحًا والنوايا الطيبة موضع شك، كأن الواقع كله يحتاج إلى ترجمة، لا لأنه غامض بل لأن أرواحنا أصبحت مرهقة وهنا نحكي عن شبح البدايات فنخاف نبدأ من جديد خوفًا من أن يتكرر نفس الحزن مرةً أخرى.
نأخذ بمثل ”اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي“ فنقوم بالنفخ في الزبادي وحتى لو وصل الأمر للنفخ في الهواء، ونخاف أن نعترف بمشاعرنا لأن الرفض يبدو كوحشٍ يقف خلف الباب، ونؤجل الكلمات الجميلة حتى تذبل بداخلنا فقط لأن شبحًا بداخلنا يُكرر ”ماذا لو لم يكن شعورًا متبادلًا؟!“ فنصبح خبراء في كتابة الرسائل التي لن تُرسَل أبدًا.
ثم عندما تظن أن الحياة هدأت يظهر شبح الحزن في عباءته السوداء -مجازًا- فهو لا يرتدي الأسود كما تصوره القصص بل يرتدي ملابسك أنت ويجلس في مكانك المعتاد، ويقنعك أن ذكرياتك صارت أثقل من أن تُعاد، فالحزن لا يطلب منا شيئًا غريبًا كل ما يريده أن تؤجل الحياة يومًا آخر.
وأظن أن هنا يكمن الفرق بين أشباحنا في الصغر وهذه التي تقف على باب حياة الكبار، الأولى كانت تختفي بمجرد أن نُشعل النور، أما الثانية تعرف كيف تعيش في وضح النهار.
ربما لهذا السبب لا أؤمن أن الإنسان يتوقف عن الخوف حين يكبر هو فقط يبدل بين أشباحه.
في الخامسة كنا نخاف أن يعبث بأقدامنا أحد العفاريت، وفي الخامسة والعشرين نخاف أن تمتد المسافة بيننا وبين من نحب.
وحين ندرك أن الخلل ليس في العالم كله، بل في العدسة التي ننظر بها إليه، يبدأ السلام يتسلل إلينا من جديد، نتوقف عن مطاردة التفسيرات، ووضع قواعد للتلميحات، ونسمح لبعض الأشياء أن تحدث كما هي، بلا ظنون أو معارك إضافية.
فنحن الموجودون على هامش الحياة، نخشى البوح واللوم، ونخشى الأذى، حتى الحب نخشى الغوص فيه فنغرق، نخشى الانبهار والبدايات والخذلان المُر، نخشى نفوسنا المتقلبة وانطفاء الرغبة في المنتصف، نخشى الصديق ورحيله، نخشى الفشل، والذكرى، نخشى الخيال.. فَوهمه ثقيل، ونخشى الحقيقة، نخشى مِن جَرف الدنيا، وأن يمُر العمر دون عملٍ يُجدي، نخشى أن يسلبنا الخوف الوصول.
في النهاية ليست أكثر الأشباح خطورةً التي نخاف أن تلعب بأقدامنا ليلًا، بل التي تقنعنا أن نستمر في النوم وتمنعنا من الحياة فتلك لن تجدي ”البطانية“ معها نفعًا.