لا أحد يوقظنا صباحًا ليخبرنا كيف ينبغي أن نكون، ومع ذلك بطريقةٍ ما ينتهي الأمر بكثيرٍ منا وهو يحاول أن يبدو بالطريقة نفسها، ويتحدث بالطريقة نفسها، ويخاف من الأشياء نفسها.
لا أعرف متى يحدث ذلك، ولا من الذي يضع القواعد، لكننا نتعامل معها كما لو كانت موجودةً فعلًا، كأن الإنترنت يعقد اجتماعًا سريًّا كل فترة ثم يخرج بقرارٍ جديد:
هذا طبيعي..
وهذا كرينج..
ولا أحد يعرف من حضر الاجتماع أصلًا!
الغريب أن هذه الكلمة كرينج ”Cringe“ أصبحت واحدة من أكثر الكلمات استخدامًا على الإنترنت، رغم أن لا أحد يبدو قادرًا على تعريفها بدقة.
ما الذي يجعل شخصًا كرينج؟
هل هو حماسه، طريقته في الكلام، ذوقه، جرأته على تجربة شيء جديد؟
أم أن الكلمة لم تعد تصف سلوكًا محددًا، وأصبحت تُستخدم لكل من يخرج خطوةً واحدة عن الصورة التي اعتدنا رؤيتها؟
ربما لهذا تبدو الكلمة غريبة، فهي لا تضع معيارًا واضحًا يمكن مناقشته، وإنما تترك مساحةً واسعة للأحكام الشخصية. قد يرى شخص أن هذا تصرف محرج، بينما يراه آخر عاديًّا تمامًا، وقد يصبح ما يُسخر منه اليوم موضةً يتسابق الجميع إليها بعد أشهر.
ومع ذلك ما زلنا نمنح كلمةً بهذا القدر من الغموض سلطةً حقيقية على قراراتنا، فنؤجل أشياء نحبها، ونراقب أنفسنا أكثر مما يراقبنا الآخرون، ونتصرف أحيانًا كما لو أن هناك قانونًا غير مكتوب يحدد الشكل الصحيح للإنسان.
أتذكر موجة المينيماليزم التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تحولت من أسلوب يفضله بعض الناس إلى نموذج بدا وكأنه الخيار الوحيد الصحيح. فجأة أصبحت الألوان تُعامَل كأنها خطر، وامتلأت البيوت بالأبيض والبني حتى فقد كثير منها روحه، وصار كل منهم يشبه الآخر.
لا يحدث هذا مع الأشخاص فقط، بل حتى مع الصيحات التي تبدأ على الإنترنت، فمثلًا تريند الـ Clean Girl في البداية كان مجرد أسلوب يعجب بعض الفتيات، ثم تحول تدريجيًّا إلى صورة تبدو وكأنها النموذج الذي ينبغي أن يسعى إليه الجميع.
أصبح المكياج الخفيف، وتسريحة الشعر نفسها، والملابس نفسها، وحتى طريقة التصوير، تفاصيل تتكرر إلى درجة يصعب معها التمييز بين الحسابات.
لكن ماذا لو كانت مفضلتي هي نعمة الله زوجة الحاج متولي بكل الأساور الذهبية في يدها والسلاسل حول عنقها؟
لا مشكلة لدي في فكرة المينيماليزم ولا في الـ Clean Girl، المشكلة في اللحظة التي يتحول فيها الذوق إلى معيار، ثم إلى أداة نحاكم بها اختيارات الآخرين، ويصبح كل ما يخرج عنه محل سخرية أو استغراب.
عندها لا يعود الناس يختارون ما يشبههم، وإنما ما يضمن لهم المرور بأقل قدر ممكن من الأحكام. وربما هذا ما تفعله كلمة كرينج أيضًا، فهي لا تمنعنا من الاختلاف بالقوة، لكن تجعلنا نخشى ثمنه.
بالتأكيد لا يأتي التغيير بالطريقة السحرية الموجودة في الأفلام، كإلهام مفاجئ سقط من السماء على البطل، لكن الحياة نفسها كفيلة بأن تعيد ترتيب أولوياتنا. هناك لحظات تجعلنا نكتشف أن الوقت الذي نملكه أقل مما كنا نتخيل، وأننا أنفقنا جزءًا كبيرًا منه في الخوف من أحكام عابرة.
عندها تتغير الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا:
هل يستحق تعليق من شخص مجهول أن يؤجل تجربةً كنا نريد خوضها؟
هل يستحق احتمال السخرية أن يمنعنا من نشر فكرة، أو التقدم إلى فرصة، أو بدء مشروع، أو التعبير عن أنفسنا؟
لا يتبخر الخوف تمامًا، لكنه يتوقف عن امتلاك الكلمة الأخيرة في كل قرار.
ربما لن يتوقف الإنترنت يومًا عن إنتاج معايير جديدة، كل فترة سيظهر قالب يخبرنا كيف ينبغي أن نبدو، وكيف نتحدث، وما الذي يليق بنا أن نحبه، وما الذي يجب أن نخجل منه، وبعد أشهر سيختفي هذا القالب ليحل محله آخر، ويبدأ السباق من جديد.
لا أهتم من الذي رسم صورة الإنسان المقبول، ولا متى اتفقنا جميعًا على وجودها، كل ما أعرفه أنني لا أريد أن أؤجل حياتي في محاولة اللحاق بصورة تتغير كل بضعة أشهر.
فالحياة أقصر من أن تُعاش وفق آخر ترند.. وأوسع من أن تُختصر في قالب واحد..
والإنسان أكثر تعقيدًا من أن تصفه كلمة عابرة أو وسم انتشر على الإنترنت.