صحيت من النوم بحكي: ”اشتقت للبحر“
نحن أبناء غزة، أبناء البحر بالأساس، ودائمًا أقول لكل من أعرفهم أن البحر يمتد على مد النظر في غزة من جنوبها إلى شمالها، وأن أي غزاوي يوصل البحر في غضون ١٠ دقائق فقط، وأن هذه نعمة افتقدتها مؤخرًا لأني خارج غزة، استيقظت من النوم اليوم وأنا أقول ”اشتقت للبحر، اشتقت للبحر الأبيض المتوسط“.
ما زلت أتذكر لذعته وملوحته ورذاذ أمواجه على وجهي في فصل الصيف، وجملة أمي المعتادة عندما نزن عليها ونطلب الذهاب للبحر تقول: ”لأ، البحر بده لمّة“، فنقترح على أقاربي أن نتجمع في أحد استراحات بحر رفح، حيث كل عائلة تعد طعامًا بالبيت:
ورق عنب، معجنات، بيتزا، سناكس جاهزة، عصائر مثلجة وكولر مياه كبير، نتشارك الطعام على الشاطئ وتبدأ خالاتي بتوجيه نقد لاذع لوصفة كل واحدة ”الأكل دلع ناقصه ملح“، ”الدوالي ناقصها حموضة“ أو ”العصير بده سكر“، والمدهش بالأمر أنه لا أحد ينزعج من قنبلة الريفيوهات التي تنفجر فجأة.
أحب تعبير ”الضحكة طالعة من قلبك“، كنا نأكل ثم نشغل mp3 صغير، نغني معه سويًا -وبصراحة نغتاب الناس كثيرًا- حتى يجف ريقنا ونتوب بحجة ”خلص يكفينا شر الغيبة واستغفر الله“ ثم تطلع الضحكة من قلوبنا جميعًا..
أحيانًا يبدو لي البحر قلادة في عنقي، من خلاله أدلل على أني غزاوية ”قح“ ومحدش يقدر يلوي ذراعي، يرتبط عندي بالقوة والعنفوان والتجدد، وبأنه يشبهنا كثيرًا، مالح لكن ما زال يمارس الحياة، بل ويناطحها.
كلما صادفتني صورة بحرية تردد في بالي جملة رضوى عاشور ”فيقولون ضمنًا وصراحة إن الحياة رغم كل شيء تتجدد وتتجاوز وتستمر، وإنَّ الموت تؤطره الحياة“، أركن كثيرًا إلى فكرة أن الحياة تكلبش يدي الموت بإحكام، وأفترض دائمًا أن صوتها المذوي يصدر من ناحية البحر بالأساس..
أحيانًا يبدو لي البحر أنه ذاكرتي عن غزة، فمثلًا، لا تتوقع مني وصف طفولتي دون التطرق للبحر، فهناك كانت كل إجازاتنا الصيفية وحكاوينا البريئة، ولا تتوقع مني وصف ذكرياتي الجامعية بدون التطرق للبحر، فقد كنت أشاهده يوميًا من نافذة الحافلة على طول الطريق من الجنوب حتى ميناء غزة شمالًا، ولا تتوقع مني وصف تقدمي المهني بدون التطرق إلى البحر، فقد كنا نحتفل أنا وزميلاتي -قبل بدء الإبادة بيومين- بتخرجنا من برنامج تدريبي في ”كافيه“ في منتصف البحر أيضًا..
ضحكت ياما أمامه، أخذت صورًا ياما له، وبكيت، بكيت ياما بحرارة أمامه، كبكائي الآن بالضبط على غزة..
”الآن بحر
الآن بحر كله بحر
ومن لا بر له
لا بحر له
والبحر صورتنا، فلا تذهب تمامًا
هي هجرة أخرى فلا تذهب تمامًا..“
أحيانًا يبدو لي العالم جثة هامدة على شاطئ بحر غزة، سيتعين عليك عزيزي أن تقرأ الخبر العاجل كالتالي:
”العثور على جثة قبالة شواطئ غزة وقد تبين أنها جثة العالم“، جثة غير مجهولة الهوية، معراة وواضحة كالشمس، صامتة كالقبو، لكن منظرها يستفزك ووجودها يضنيك ولا تستطيع التخلص منها وإلقائها بالبحر؛ فحتمًا بحر غزة سيلفظها من جديد كل مرة.
عزيزي القارئ، هذه المرة الوحيدة التي أفشل فيها في وضع العالم في جيبتي الصغيرة أو أعلن أنني نلت منه؛ لأني اشتقت للبحر، اشتقت لغزة، واشتقت إلى ”الضحك الطالع من القلب“..