أول أربع وعشرين عامًا من حياتي كانت سجنًا أحاول التأقلم معه. قضيت كل هذا الوقت داخل غرفة لا أخرج منها، حتى حين لا أكون فيها. أبني تصوراتي عن العالم والحياة داخل الغرفة..
لا أصدقاء ولا محاولات للبحث عن الحب.
أجلس أنا وعقلي في غرفة يتقلص حجمها بمرور الوقت، يشغل فيل ضخم المساحة الأكبر منها، لا يتوقف عن النمو حتى يجلس على صدري. بالكاد أتنفس.
هنا قررت أن الخروج واجب.
الجلوس مع عقلي
في كتابه ”اختراع العزلة“ يصف بول أوستر لوحة ”غرفة نوم في آرل“ لفينسنت فان جوخ قائلًا:
”العالم ينتهي عند الباب المقفل بالتروس. ذلك أن الحجرة ليست تمثيلًا للعزلة، بل إنها جوهر العزلة نفسه. وهو شيء ثقيل جدًا، خانق جدًا، بحيث إنه لا يمكن عرضها بصورة أخرى سوى هذه.“ (١)
تزداد الرهبة في كسر تلك الحلقة مع الوقت وتصبح الغرفة مساحتك الآمنة وسجنك في نفس الوقت. بدأت أشعر أني أفقد قدراتي على التواصل مع الآخرين، وأن محادثة بسيطة كتسلق جبل شاهق.
والأكثر ألمًا أنك تشعر أنك لا تنتمي إلى أي مكان، بل ولن تتمكن من ذلك في المستقبل حتى، كائن خارج حدود الزمان والمكان، تائه في بعد ما، بلا قدرة على الوصول إلى دنيا الصداقة والحب.
وحتى عندما أكتسب بعض الشجاعة لخوض محادثة، أشعر حينها أني أمتلك مهارات طفل في المرحلة الابتدائية، بينما تحاول التواصل مع أناس في منتصف العشرينات وأكثر لذا لا فرصة لك.
كما أن محدودية تجربتك تضعك أمام العديد من الأسئلة البديهية، كيف أصنع محادثة ممتعة؟ وكيف أعرف أنها ممتعة بالأساس؟ هل أنا محبوب؟ وعلى أي أساس سأصبح؟
وكيف أعرف أن الآخر لا يتحملني بسبب الشفقة أو الحرج من إنهاء تلك العلاقة؟ وتنتهي إلى قناعة ”إن مفيش فائدة فيك“ ولا أمل في إصلاح ذلك.
التجربة هي الحل
دائمًا ما كانت الإجابة على أكثر أسئلة الإنسان تعقيدًا حتى أبسطها هي كلمة ”كليشيه“ للغاية وهي ”جرّب“. فالمحاولة وحدها هي السبيل لاكتشاف إجابات كل الأسئلة والهواجس التي تخالجك. وبالطبع الأمل الوحيد للتحسن هو بالمثابرة والشجاعة الدائمة لتقبل الخسارة والأخطاء.
فكما نبدأ حياتنا كأطفال حتى نصل إلى منتصف العشرينات التي نكون اكتسبنا بها بعض الحكمة والنضج، بالمثل ستخطئ وستبدو أحمقًا في البداية. لكن في النهاية ستنظر على تلك الرحلة وتضحك على عثراتك أثناء خطواتك الأولى في دنيا الصداقة والحب.
العالم واسع برا الأوضة
هذا ما اكتشفته عندما امتلكت جسارة المحاولة. لن أتحدث عن كم الفرص الممكنة التي تتعثر بها بفضل أصدقائك بصورة عبثية ولكن جميلة. ولكن الأهم من كل ذلك هو الدافع الذي يخلق بداخلك بفضل تواجدهم حولك أو رغبتك في اكتسابهم في البداية.
يصاحب الاستسلام للعزلة استسلام لكل شيء.
في تلك الفترة كنت أحاول أن أطارد أحلامي الفنية الخاصة بالسينما والكتابة غير مكترث بالحصول على وظيفة مجزية تحقق لي الاستقلال المادي والانتقال للقاهرة، فلِمَ سأسعى للمال طالما أنا سجين تلك الغرفة. ولكن حتى أحلامي الفنية لم أكن أطاردها بحق.
لم أتخذ خطوات جادة إلا عندما أعجبت بفتاة وكنت أحاول أن أكون أمامها شخصًا مثابرًا ويحاول، وهنا فقط بدأت رحلة الكتابة بشكل جدي. في محاولة اكتساب صديق كان من المهم أن أمتلك قصة لأرويها حين أقابله، وإذا حصلت على واحدة فيجب العمل على تنميتها.
كان بداخلي دافع وطاقة هائلة لجعل أصدقائي فخورين بي، أود أن أرى انعكاس نجاحي في عيونهم.
بمرور الوقت اكتشفت أن السعادة الحقيقية لا تكمن في تحقيق الأشياء بل في مشاركة تلك اللحظات مع من نحب، ولذا كانت السعادة غائبة طوال حياتي.
بتواجد الأصدقاء نكتسب المرآة التي طالما افتقدناها، لكي نرى صورة أخرى لنا خارج صوت عقلنا الذي طالما أزعجنا.
صورة واضحة لعيوبنا، فعين الصديق الحقيقي هي عين كاشفة، أو كما قال بلال علاء:
”جانب من الصداقة – في ما أظن – هو الغرابة والغموض، والمعلومات الناقصة التي تترك للآخر مجالًا للاقتراحات الجديدة، مجالًا ليكون في المحادثة صوتان. نحن كشّافو الطريق بعضنا لبعض، تنعقد صداقتنا كاجتماع واسع، كل أفراده بعيدون بعضهم عن بعض كفايةً ليروا طرقًا مختلفة، وقريبون كفايةً ليسمع بعضهم نداءات بعض. الصداقة هي التوق إلى الخروج من الذات، التوق دون ضرورة تحققه، نتآنس بنداءات بعضنا لبعض، حتى لو لم نفهمها تمامًا.“
ربما الإجابة هي الصداقة والحب
عندما تعتاد العزلة تفقد بمرور الوقت الشعور ذاته لدرجة تظن أن هكذا هي الحياة. أنت أشبه بآلة، وعندما تكتشف المشاعر تصبح كطفل يتذوق الأيسكريم لأول مرة. ذلك الشعور وبخاصة الحماسة لمقابلة صديق والخطوات الأولى التي تخطوها تجاه الآخر في مهد تعارفكم هي ما تشعرني بفعل الحياة.
ربما الجانب الوحيد الجيد من العزلة التامة وذلك التضاد بين حياتي السابقة والحالية؛ أنها جعلتني أقدر قيمة الصداقة والحب في حياة الإنسان لدرجة كونهم المقدس الوحيد في حياتي الآن.